بقلم دكتور/ طارق هلال – خبير في الشؤون السياسية والاقتصادية
تخيّل أن تدفع ثمن الصاروخ مرتين، مرة حين يسقط على أرضك، ومرة حين تشتري السلاح لتحمي نفسك من الصاروخ التالي! وبين المرتين، ترتفع فاتورة الطاقة، وتتراجع الاستثمارات، وتُستنزف الموازنات، ويصبح المواطن مطالبًا بتحمّل كلفة معركة لم يختر توقيتها، وربما لم يكن طرفًا في قرار إشعالها أصلًا.
هنا يبدأ الكابوس الحقيقي للشرق الأوسط: دولٌ تدفع ثمن المواجهة، وأسواقٌ تتأرجح على وقع التهديدات، وصناعاتٌ تنتعش مع تصاعد الطلب على السلاح، وحساباتٌ سياسية قد ترى في استمرار الأزمة ورقة ضغط ثمينة.
من واشنطن إلى تل أبيب، ومن الخليج إلى طهران، ومن القاهرة إلى العواصم الأوروبية، تتشابك خيوط لعبة أكبر من حدود المعركة نفسها. ترامب يعيد حسابات الانخراط الأمريكي، وإسرائيل تتمسك بتفوقها العسكري، وإيران تواجه ضغوطًا متزايدة، والسعودية تحاول حماية أمنها ومشروعاتها الاستراتيجية، بينما تسعى مصر إلى منع انتقال المنطقة من أزمات متفرقة إلى انفجار إقليمي واسع.
لكن المفارقة الأخطر هي أن الجميع يتحدث عن الأمن، فيما تتزايد كلفة انعدام الاستقرار. فهل تُدار أزمات الشرق الأوسط للوصول إلى تسوية، أم أن استمرارها أصبح ورقة رابحة لبعض الأطراف، حتى لو خسر الإقليم سنوات من التنمية والاستقرار؟
الاقتصاد… أول ضحايا المعركة
حين تتسع دائرة المواجهة، لا تنتظر الأسواق انتهاء الحرب كي تتأثر نتائجها. المستثمر يتحرك قبل الصاروخ، وشركات التأمين ترفع حساباتها، ورؤوس الأموال تبحث عن الملاذ الآمن.
السعودية… شهدت بورصة الرياض في 25 أكتوبر 2026 هبوط مؤشر «تاسي» بنسبة 2.7%، ليغلق عند 9,438.50 نقطة، وهو أدنى مستوى إغلاق له منذ عام 2021. ولا يعني ذلك انهيار الاقتصاد السعودي، لكنه يكشف الضغوط على ثقة المستثمرين ومشروعات التنويع الاقتصادي، بالتزامن مع تزايد متطلبات الأمن والدفاع.
مصر… تعرضت البورصة لضغوط حادة؛ فتراجع مؤشر EGX30 بنسبة 3.56%، وهبط مؤشر EGX70 بأكثر من 11% في جلسة 25 أكتوبر. وفي اليوم التالي، سجل الجنيه نحو 56 جنيهًا للدولار. وتتداخل هذه التطورات مع تحديات داخلية، بينما يزيد اضطراب الملاحة وارتفاع أسعار الطاقة الضغوط على العملة والاستثمار وإيرادات قناة السويس.
دول الخليج… لا يعني ارتفاع أسعار النفط تحقيق مكاسب مضمونة؛ فتعطل الصادرات أو تهديد المنشآت والممرات البحرية قد يبدد عوائد الأسعار المرتفعة، بينما تتضرر قطاعات السياحة والطيران والخدمات اللوجستية والاستثمار. وقدّر البنك الدولي انكماش اقتصادات مجلس التعاون الخليجي بمتوسط 4.3% خلال عام 2026، في ظل تداعيات الحرب وإغلاق مضيق هرمز.
إيران… تتفاقم أزمتها بفعل العقوبات والقيود التجارية وتداعيات المواجهة. وأفادت تقارير في أغسطس 2026 بانكماش تجارتها الخارجية بنسبة 35%، فيما هبط الريال إلى مستوى قياسي تجاوز 2.5 مليون ريال مقابل الدولار، وفق تقرير لوكالة أسوشيتد برس في أكتوبر.
وهكذا، تدفع المنطقة بأكملها ثمن التصعيد: السعودية تواجه مخاطر الاستثمار، ومصر ضغوط العملة والتجارة، والخليج اضطراب الطاقة والملاحة، وإيران أزمة اقتصادية ومعيشية متفاقمة. فالخطر الحقيقي ليس خسائر الأسواق وحدها، بل أن يتحول الاستنزاف المؤقت إلى عبء طويل الأجل يؤجل التنمية ويحمّل الشعوب فاتورة صراع لم تختره.
ترامب… هل يتخلى عن حلفائه أم يعيد تسعير الحماية؟
في السياسة الأمريكية، لا تُقاس الشراكات بالتصريحات وحدها، بل بما تقدمه واشنطن عندما تتعارض المصالح أو ترتفع تكلفة الالتزام.
قد يتحدث ترامب عن تقليص الأعباء الأمريكية، أو يطالب الحلفاء بتحمل مسؤولية أكبر عن أمنهم، لكن تقليص الانخراط المباشر لا يعني بالضرورة انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة. فقد تحافظ واشنطن على نفوذها من خلال التسليح والاتفاقات الأمنية والعقوبات والضغط الدبلوماسي.
وهنا يبرز السؤال السعودي والعربي: هل تضمن الشراكات الدولية حماية المصالح الوطنية في جميع الظروف، أم أن كل أزمة تكشف ضرورة امتلاك بدائل وقدرات مستقلة؟
فالولايات المتحدة ليست مضطرة إلى إدارة كل مواجهة بنفسها كي تؤثر في مسارها؛ إذ يمكنها استخدام أدوات الاقتصاد والتحالفات والضغط السياسي لتوجيه حسابات الأطراف المختلفة. لكن هذه السياسة تحمل مخاطرها أيضًا، لأن التصعيد قد يهدد المصالح الأمريكية ذاتها، ويرفع تكاليف الانتشار العسكري والطاقة والتجارة.
الدعم الأمريكي لإسرائيل… تحالف المصالح وحسابات الانتخابات
لا يمكن فهم معادلة الصراع في الشرق الأوسط دون التوقف أمام الدعم الأمريكي الواسع لإسرائيل، الذي يتجاوز التعاون العسكري إلى التنسيق الاستراتيجي والسياسي والدبلوماسي. ويستند هذا التحالف إلى شبكة من المصالح المشتركة، تشمل التفوق العسكري الإسرائيلي، والتعاون الاستخباراتي والتكنولوجي، ونفوذ واشنطن الإقليمي، والحفاظ على توازنات تخدم المصالح الأمريكية.
لكن هذا التحالف لا تحكمه المصالح الخارجية وحدها؛ فالانتخابات الأمريكية تلعب دورًا مهمًا في تشكيل مواقف السياسيين تجاه إسرائيل. وتتداخل اعتبارات الناخبين، ونفوذ جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، ومواقف قطاعات من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، مع حسابات المرشحين الانتخابية. ولذلك، قد يصبح دعم إسرائيل عنصرًا حاضرًا في المنافسة السياسية الداخلية، وليس مجرد ملف من ملفات السياسة الخارجية.
وتكمن الإشكالية عندما تتحول هذه المصالح والحسابات الانتخابية إلى عامل يحدّ من الضغط اللازم لوقف التصعيد، أو يجعل الاعتبارات السياسية الداخلية تتقدم على متطلبات الاستقرار الإقليمي. فكيف يمكن الدعوة إلى استقرار الشرق الأوسط، بينما يستمر الدعم العسكري والسياسي الذي قد يطيل أمد المواجهة؟
وقد شهدت السياسة الأمريكية بالفعل نقاشًا متزايدًا بشأن المساعدات العسكرية لإسرائيل وحدودها وشروطها، مع تباين المواقف داخل الحزبين، وظهور أصوات تطالب بإعادة النظر في الدعم غير المشروط.
ولا يعني ذلك أن جميع المواقف الأمريكية تتحرك وفق حسابات انتخابية واحدة، أو أن كل تصعيد يحقق مكاسب لواشنطن. لكن المؤكد أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي يؤثر بقوة في ميزان القوى الإقليمي، وأن استخدام النفوذ الأمريكي لدعم تسوية عادلة ومستدامة يظل عنصرًا حاسمًا في فرص إنهاء الحرب.
أما إسرائيل، فقد تحقق مكاسب عسكرية تكتيكية، لكن التفوق العسكري لا يضمن وحده أمنًا مستدامًا أو استقرارًا طويل الأجل.
المشكلة ليست في افتراض وجود غرفة واحدة تدير كل أحداث المنطقة، بل في إدراك أن استمرار الصراع قد يخدم مصالح بعض الأطراف، حتى من دون وجود اتفاق بينها على إشعاله أو إطالته.
أوروبا تدفع الثمن… فلماذا لا تكون جزءًا من الحل؟
أوروبا ليست بعيدة عن المشهد؛ فاضطراب طرق التجارة والطاقة ينعكس على تكاليف الإنتاج والنقل والتأمين، ويزيد الضغوط على اقتصاداتها، بينما تواجه حكوماتها معادلة صعبة بين الالتزامات الأمنية والمصالح الاقتصادية.
وعندما تتبنى بعض العواصم الأوروبية مواقف تتطابق مع الرؤية الأمريكية، فإنها قد تسهم في زيادة الضغط على أطراف الصراع، لكنها تخاطر أيضًا بتقليص قدرتها على الوساطة المستقلة. ومع ذلك، لا يمكن اختزال أوروبا كلها في موقف واحد؛ فدولها تختلف في تقديرها للمخاطر وسبل التعامل معها.
لذلك، لا يكفي أن تعلن أوروبا قلقها من التصعيد؛ المطلوب أن تستخدم ثقلها الاقتصادي والدبلوماسي لدعم وقف المواجهات، وفتح قنوات التفاوض، وضمان حرية الملاحة، ومنع تحول المنطقة إلى ساحة استنزاف مفتوحة.
فإذا كانت أوروبا ستتحمل جزءًا من الفاتورة، فمن المنطقي أن يكون لها دور أكبر في منع تراكمها، بدلًا من الاكتفاء بإدارة النتائج بعد وقوعها.
التقارب السعودي التركي الإيراني… هل تنجح المنطقة في إنقاذ نفسها؟
تكتسب التحركات الدبلوماسية الإقليمية أهمية مضاعفة في هذه اللحظة. فالحوار بين السعودية وإيران، إلى جانب دور تركيا ومشاورات مصر والسعودية وتركيا وباكستان، يمكن أن يفتح المجال أمام ترتيبات جديدة تقلل احتمالات المواجهة.
لكن نجاح المفاوضات لا يتوقف على المصالحات الشكلية، بل يتطلب تفاهمات واضحة بشأن أمن الخليج، وعدم الاعتداء، واحترام سيادة الدول، وأمن الممرات البحرية، والحد من التصعيد في بؤر النزاع.
والسؤال هو: هل تستطيع دول المنطقة بناء تفاهمات تحمي مصالحها قبل أن تتقدم الحسابات الانتخابية في الولايات المتحدة وإسرائيل على فرص التسوية؟
إن انتظار نتائج الانتخابات أو الرهان على تغير الحكومات ليس استراتيجية كافية. فالسلام الذي يعتمد على حسابات انتخابية مؤقتة يظل هشًا، بينما تحتاج المنطقة إلى قواعد مستقرة لإدارة الخلافات، مهما تغيرت القيادات.
والمطلوب أن تتحول الاتصالات إلى آليات عملية تمنع سوء التقدير، وتضمن استمرار الحوار عند الأزمات، وتفصل الخلافات السياسية عن المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة قدر الإمكان.
مصر… دبلوماسية الدولة وصمام أمان الاستقرار الإقليمي
في قلب هذه المعادلة، يبرز الدور المصري باعتباره تحركًا استراتيجيًا يستند إلى إدراك عميق بأن أمن مصر لا ينفصل عن أمن الخليج والبحر الأحمر، وأن استقرار المنطقة ضرورة لحماية المصالح العربية ومنع اتساع دائرة الصراع.
وقد أكدت القاهرة دعمها لأمن السعودية ودول الخليج، ورفضها الاعتداءات التي تهدد سيادتها، مع التمسك بالحلول السياسية وحرية الملاحة الدولية. ويعكس هذا الموقف إدراكًا بأن أي تهديد للممرات البحرية أو أمن الدول العربية لن تبقى آثاره محصورة داخل حدود الدولة المستهدفة، بل سيمتد إلى التجارة والطاقة والاستثمار والاستقرار الإقليمي.
وتتجلى أهمية التحرك المصري في تكامل الدبلوماسية الرئاسية مع جهود وزارة الخارجية والأجهزة الأمنية المعنية. فمن خلال الاتصالات واللقاءات على مستوى القيادة، تفتح مصر قنوات للحوار وتنسق المواقف مع الشركاء العرب والإقليميين، فيما تعمل القنوات الدبلوماسية والأمنية على التواصل مع الأطراف المختلفة، واحتواء التوترات، ودعم مسارات التفاوض، ومنع تحول الخلافات إلى مواجهات أوسع.
وقد ظهرت هذه الجهود في التشاور المصري السعودي بشأن أمن البحر الأحمر والملاحة، وفي اتصالات وزير الخارجية المصري مع نظيره الإيراني، التي تضمنت المطالبة بوقف الهجمات على السعودية، والدعوة إلى استئناف الحوار الأمريكي الإيراني، باعتباره مسارًا ضروريًا لاحتواء الأزمة ومنع اتساعها. كما أكد التحرك المصري دعم أمن المملكة واستقرارها، بالتوازي مع تكثيف الجهود الدبلوماسية لخفض التصعيد.
وتستحق هذه الجهود الإشادة؛ لأنها تعكس حرص مصر على الجمع بين دعم الأشقاء، وحماية الأمن القومي العربي، وتغليب الحلول السياسية على اتساع المواجهة. فالقوة لا تُقاس فقط بالقدرة على الردع، وإنما أيضًا بالقدرة على منع الحرب، وفتح مسارات التسوية، والحفاظ على قنوات الاتصال عندما تتراجع فرص الحوار.
ومصر تدرك أن أي تصعيد ممتد ستكون له انعكاسات مباشرة على إيرادات قناة السويس، والاستثمار والسياحة وتكاليف الاستيراد، فضلًا عن أمن البحر الأحمر والممرات البحرية. لذلك، فإن تحركها لا يقتصر على احتواء أزمة آنية، بل يستهدف حماية البيئة الإقليمية التي يتوقف عليها جانب مهم من مستقبل التنمية المصرية والعربية.
إن الدور المصري لا يقتصر على إطفاء الحرائق بعد اندلاعها، بل يمتد إلى محاولة منع اشتعالها من الأساس. ويبقى نجاح هذه الجهود مرهونًا باستجابة الأطراف الأخرى، وتوافر الإرادة السياسية، وتحويل التنسيق العربي إلى موقف مشترك يدعم التهدئة والتفاوض، ويمنح المنطقة فرصة حقيقية للخروج من دوامة الاستنزاف.
الخلاصة… من يملك قرار الحرب ومن يتحمل فاتورتها؟
إن الكابوس الحقيقي ليس في تراجع مؤشر البورصة السعودية، أو الضغوط التي تواجه الاقتصاد المصري، أو انهيار قيمة العملة الإيرانية؛ بل في أن تتكرر الأزمات حتى تصبح تكلفة الصراع جزءًا دائمًا من حياة شعوب المنطقة.
لا تستطيع دولة أن تبني مستقبلها وسط حروب لا تعرف نهايتها، ولا يمكن أن تستمر التنمية إذا ظلت الموازنات مهددة، والاستثمارات قلقة، والممرات البحرية عرضة للاضطراب.
ولذلك، فإن المطلوب ليس البحث عن طرف واحد نحمّله كل المسؤولية، بل كشف المصالح التي تطيل أمد الأزمات، ومراجعة السياسات التي تغذي التصعيد، وبناء توازن إقليمي يمنح دول المنطقة قدرة حقيقية على حماية مصالحها.
السعودية تحتاج إلى حماية أمنها واستثماراتها، وإيران تحتاج إلى مخرج من أزمتها الاقتصادية، ومصر تحتاج إلى تحصين اقتصادها وأمنها القومي، وأوروبا تحتاج إلى استقرار التجارة والطاقة. وهذه المصالح ليست متطابقة، لكنها تلتقي عند نقطة جوهرية: منع حرب إقليمية مفتوحة لا يستطيع أحد ضمان نتائجها.
أما إذا عادت المواجهة، أو تحولت المفاوضات إلى مجرد استراحة لإعادة ترتيب القوات، فستجد المنطقة نفسها أمام جولة جديدة من الاستنزاف، وستظل الشعوب تسدد فواتير قرارات لم تكن صاحبة الكلمة الأخيرة فيها.
وفي النهاية، أخطر ما في الكابوس ليس أن يبيع أحدهم السلاح، بل أن نصل إلى لحظة يصبح فيها السلام أغلى من الحرب، وتصبح الحرب نفسها تجارة لا يريد بعض المستفيدين أن تتوقف.
فهل ينجح الشرق الأوسط في كسر هذه المعادلة، أم يستيقظ مرة أخرى ليكتشف أن فاتورة الحرب وصلت، بينما لا يزال السلام مؤجلًا؟