أقرُ أنا كاتب هذه السطور، أن من أكتبُ عنهم أحد رجلين : رجلٍ عاملتُه عن قرب، فشرعتُ في الكتابة عنه من تِلقاء نفسي، ساردًا موقفا أو كاشفا ملمحا من ملامحه المُميزة، وآخرَ طُلب مني أن أكتبَ عنه، فاعتبرتُ الطلبَ تكليفا، فضلا عن كونه تشريفا به أتباهي وأفتخر .
وكلا الرجلين – من أكتبُ عنه من تلقاء نفسي، ومن يُطلبُ مني الكتابة عنه – أعرفهما جيدا، فأنا لا أكتبُ إلا صدقا؛ إيمانا بقول القائل :
ما من كاتبٍ إلا سيفني .. ويبقي الدهر ما كتبت يداه
فلا تكتب بخطك غير شيء .. يسرُك في القيامة أن تراه .
وبصدقٍ يُعتبر الأب والمعلم محمد بيومي عصر واحدا من هؤلاء النفر، الذين أكتبُ عنهم من تلقاء نفسي؛ لما له عليّ من فضلِ المعلم و حنو الأب .
عرفتُه صغيرا، إذ كانت بيني وبين ابنه الوحيد أحمد أخوةٌ ومودة، كان من توابعها ألا أغادرُ بيته إلا للنوم.
وأحمد هو رفيقُ دربي، وزميلُ دراستي، أحببتُه؛ لعَمارٍ بينه وبين القرآن، فكان نجم الحفلاتِ المدرسية، قارئا للقرآن مُجيدا، يظنُ من يسمعه دونما يراه أنه الشيخ الطبلاوي .
عن طريق أحمد، تعرفتُ عن قرب علي أ. محمد بيومي عصر، وأدركتُ إلي أي حدٍ كيف تحقق فيه ما قاله الأعرابيُ عن العاقل بأنه الفطنُ المُتغافل، وهو الذكي الذي يعلمُ كلَّ صغيرة وكبيرة، ورغما عن هذا يغضُ الطَرْف عن الهنات الصغيرة؛ حتي تسير المركب !
هكذا – ورب الكعبة – كان أ. محمد بيومي عصر .. ذكيا إلي أقصي درجة، حليما إلي أبلغ حد، وظّف ما درسه من نظريات تربوية، في تربيةِ أولاده، فكانت العلاقةُ بينه وبينهم علاقةَ انسجامٍ ومودة، رأيٍ ومشورة، أبوةٍ وصداقة، دشنتْ منهجَ النبي القائل : خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلي .
أمسك أ . محمد عصر عصا علاقته بأولاده من المنتصف، فلم يصل حلمُه بهم إلي حدِّ التسيب، ولا حزمُه معهم إلي درجة القهر، فأفرخ بذلك المنهج ذرية عُرفت بنجاحها الاجتماعي، وحُسن علاقتها بالآخرين .
تحت ظلال أشجار المشمش، بأزهارها البيضاء، اعتدتُ وذريته التحلق حوله، نتعلم من فيض علمه، وننهلُ من وافر أدبه، فأصَّل فينا رزانة الفعل، وعذوبة المنطق، وإعمال العقل، والبعدَ عن التعصب الأعمي الذي يُعمي ويُصم .
التقيتُه بعد ذلك وكيلا للمدرسة الثانوي ثم مديرا لها، فكان شتان بين المشهدين، مشهدِ الطفولة، ومشهد الثانوي، والذي كان فيه حازما إلي أقصي درجة، ولربما ضايق حزمُه البعض، إلا أنه – وأُجزم – أنه لم يفعل ذلك إلا من مُنطلق الواجب، والأمانة التي استرعاها الله إياها، فكان حالُه في هذا وذاك : أن لكلِ حدثٍ حديث ولكل مقام مقال، فشدتُه في بعض المواقف كانت منهجا رآه الأنجعَ والأصوبَ آنذاك، وإن رفضه البعض، فليست هناك مشكلة، فرضا الكل غايةٌ لا تُدرك .
محمد بيومي عصر رحلةُ كفاحٍ، نحتٌ في الصخر، تجرعٌ لمرارة الصبرِ والسهر من أجل التعلم، فهرب بهذا كله من العمل أجيرا بالفأس، كما هو حالُ الكثيرين من أقرانه ممن لم يستسيغوا مُر التعلم، فتجرعوا ذل الجهل والفقر والعوز .
في قرية عملَ السوادُ الأعظم فيها بالفِلاحة، أو صناعة أقفاص الخضر والفاكهة، نشأ محمد عصر رافعا شعار ( أكون أو لا أكون )، فكان كما أراد هو، لا كما أرادت الظروف، والفضل بعد جهده لله .
حصل علي بكالوريوس العلوم الزراعية بتفوق، وتدرج في سلمه الوظيفي إلي أن صار مديرا لمدرسة إمياي الثانوية المشتركة.
في علاقتي بهذا الشامخ وأسرته إن نسيتُ فلا أنسي زوجته أم أحمد الحاجة (رقية)- طيب الله ثراها – التي كانت رقة بلا حدود، عطاء لا يعرفُ الشُح، أمومة لا تعرف الكلل، ابتسامة ثغر، عذوبة حديث، حنو كلمة، فكانت بحق نعم الزوجة لزوجها، وخيرَ الأم لأبنائها.
أما عن علاقتها بجيرانها فيشهد لها الكل بالطيبة وحسن الخلق.
وإلي هذا كله – وهو بيتُ القصيد – كانت ربة بيت من طراز فريد، و(شيف حلواني) يتضاءلُ أمامه شيفاتُ اليوم، فما أحلي (كنافتها) بالقشدة، وبسبوسة الفرن الفلاحي بالسمن البلدي، والتي لطالما أسكرنا مذاقُها عقب الغداء في ظلال أشجار البرتقال والمشمش .