ماهو الوعي ؟… قد يتبادر إلى الأذهان أننا نقصد من خلال هذا السؤال البسيط ؛ الوعي بمعناه الفلسفي والمعرفي من حيث أنه العقل والإدراك والمعيشة بإيجابية والتفاعل مع الأحداث المحيطة بنا والبيئة التى نعيش فى حيزها.!
إنني لا أستجلي هذا المعنى وإشكالاته المعرفية والفلسفية ولكنني أقصد قصدا ، الوعي فى أبعاده المدنية والحضارية وسلوك المواطنة الذي هو ركيزة أساسية فى بناء الجمهورية الجديدة التي ننشدها ونبنيها جميعا مع القيادة السياسية الحكيمة والراشدة.
شيء عجيب ولافت للأنظار ؛ أن مواطني السبعينات والثمانينات من القرن المنقضي كانوا نموذجا فذا فى السلوك المدني الراقي ، رغم تواضع آليات ووسائل وأطر الحداثة ، واسمحوا لي أن أقول أن الدولة كانت عصرية بدون ادوات العصرنة ؟!
لا أعرف ماذا حدث ؟ وما سبب سقوط منظومة الأخلاق بهذا الشكل والحجم والكيف ؟ هل تتفقوا معي أننا نشهد بحق إفلاسا فى القيم وإنتكاسة فى الوعي الأخلاقي و المدني والوطني ، بل وحتى قيم المواطنة اعتراها هي الأخري تردي واضح ، لقد سقطت وتداعت مجتمعاتنا أخلاقا وسلوكًا بشكل ينذر بأزمة مجتمعية واسعة ؟
أزعم أن هناك عوامل كثيرة أثرت في هذا الوضع وتداعياته ، منها علي سبيل المثال لا الحصر ، غياب عادة القراءة التى لا يخفى على أحد منا أن أجيال السبعينات والثمانينات من القرن الفائت كانت تتزاحم على المكتبات وباعة الجرائد تماما كتزاحم أجيال اليوم على الأسواق والمخابز ، حيث كان إقتناء الكتب والمراجع كنزا، ولا تكاد تخلو جلسة ولا خلوة إلا بصحبة كتاب أو مجلة وجريدة وصحيفة ، زد على ذلك ثقافة التعطش الكبير للعلم والتعلم والحصول على المنح الدراسية ، إذ كان الحصول على شهادة ” حتي ولو كانت دبلوم متوسط ” أثمن وأغلي من الحصول علي أشياء كثيرة . ورحم الله أناس كنا نتعامل منهم ، وأحببنا القراءة علي حبهم فيها .
شتان مابين جيل الأمس وأجيال اليوم ! شبابنا اليوم يأبه بالسيارات الفاخرة وكرة القدم والحفلات والأسواق أكثر مما يأبه بالكتب والمراكز الثقافية والملتقيات الثقافية …! جميع الآباء والأمهات يشترون لأولادهم ملابس رياضية بأثمان باهظة ، ولا يشترون لهم كتيب واحدا ، تاهت وضاعت أمة هجرت العلوم والمعارف وتخلت عن ثقافة القراءة والمطالعة.!
هذه القطيعة مع القراءة أحدثت شرخا عميقا فى الوعي، الأمر الذى جعلنا نجهل حتى حقوقنا ، أما الواجبات فهي فى خانة النسيان والإهمال !
إن الإستثمار فى تنمية الوعي والثقافة بشكل عام أصبح مطلبا ملحا وضروريا ويعتبر صمام أمان لهذا المجتمع ..وأية مقاربة للتنمية الإقتصادية والمجتمعية لا تأخذ فى الحسبان تنمية الوعي المدني والحضاري بالإضافة إلى النهوض بالتعليم ..حتما محكوم عليها بالفشل.
إن أمة ترمي القراءة كرمي القمامة وتطوي المطبوخ فى المطبوع ..نقول ونكرر أنها أمة تسير نحو الإفلاس الحضاري .
لا يمكن إنكار أهمية القراءة في حياة الإنسان إلا من أناس طمث الجهل علي نفوسهم وزاد الران علي قلوبهم ، وعلا الرمد علي عيونهم .
إن من أهم المميزات التي تمنحها لك القراءة ما يلي:
١:- القراءة توسع العقل : فبالنسبة للمبتدئين، تساعد القراءة على توسيع العقل ومنح المزيد من الأفكار، لقد ثبت أن القراءة تجعل العقول شابة وصحية، حيث أظهرت الدراسات أن القراءة يمكن أن تساعد في الوقاية من مرض الزهايمر. كما أن للقراءة دور كبير في التحفيز العقلي ، فقد أظهرت الدراسات أن الاستمرار في التحفيز الذهني يمكن أن يبطئ مع تقدم العمر، لأن الحفاظ على عقلك نشطاً ومشاركاً يمنعه من فقدان الذاكرة أو الخرف ، تماماً مثل أي عضلة أخرى في الجسم، لذا يتطلب الدماغ التمرين لإبقائه قوياً وصحياً.
٢:- القراءة تسمح بالتفكير الإبداعي ، باعتبارها مسرحا له تأخذك إلي عالم مبدع ليس فيه مكان للملل أو الإحباط، و يساعدك علي الدخول إلي مدارات الانتعاش والبهجة التي تسببها القراءة .
٣:- القراءة تساعد على تحسين التركيز ، حيث يمكنها أن تدرب العقول على كيفية التركيز بشكل صحيح، وهو أمر لا يقدر بثمن في كل ما نقوم به في حياتنا ومهامنا اليومية.
بحيث تأخذك من عقلية ” تعدد المهام ” الموجودة باستمرار في حياتك ، إلى الهدوء والتركيز الشديد في قصة واحدة أو أمرا واحداً مما يجعلك قادراً على التركيز لفترات أطول من المعتاد.
٤:- أحد الأسباب الأخرى التي تجعل القراءة مهمة ، هو أنها تتيح منظوراً أكبر للعالم والآخرين، بحيث تخرجك من الفقاعات المغلقة، إلي ما يسمح برؤية وجهة نظر مختلفة عن العالم، فهي فرصة لتعيش حياة الآخرين دون الخروج من منطقتك، وفرصة لتعيش حياة أخرى دون مغادرة منزلك، ستنقل خيالك إلى أماكن لم تكن بها من قبل، وربما لن تكون بها من الأساس!؟
٥:- القراءة يمكن أن تساعدك على التخلص من التوتر فهي ( لعمري ) الطريقة المثالية للاسترخاء وتهدئة الأعصاب التي تعمل باستمرار ، فقد وجدت دراسة حديثة أن مجرد 6 دقائق من القراءة، أظهرت أنها تقلل من توتر العضلات وتبطئ من معدل ضربات القلب للقراء أيضاً، وبشكل عام خفضت مستويات التوتر بنسبة ٦٨%، فهذا كافٍ لإقناعك بأهمية القراءة.
٦:- القراءة توفر إحساساً بالأمان فإذا كنت تشعر بالوحدة ، فيمكن للكتاب أن يكون أفضل صديق لك، رغم أنه ليس الأكثر واقعية، لكنه الأكثر راحة وفائدة دائماً !!
٧:- ليست القراءة جيدة للروح والعقل فحسب، بل تعد أيضاً أحد الأسباب العديدة التي تأخذك إلى ذلك العالم السحري من المحادثات الرائعة التي تزودك بقدر كبير من المعلومات الجديدة، وعن طريقها يمكنك معرفة عدد كبير من الناس في جميع أنحاء العالم.
٨:- القراءة تقوي المفردات لديك ، وتساعدك في تحسين مفرداتك، وتساعدك في نطق الكلمات الجديدة بصوت عال ، بشكل يجعلك تستخدم مفردات لغوية جديدة وبكر يوميا ، وبهذا تكون من الأشخاص ذوو المفردات العالية ، وتدخل دائرة المثقفين ، كما يساعدك في أن تكون حسن الكلام ومرتباً في حديثك، ويزيد من ثقتك بنفسك، بما يساعدك في حياتك المهنية والعلمية.وربما وصلت إلي موقع الأذكياء الذين تفتح لهم الأبواب، للاستعانة بخدماتهم .
عزيزي القاريء عزيزتي القارئة ، هل ستتجهوا إلي القراءة ، أم ستكتفوا بقراءة التغريدات على مواقع التواصل الاجتماعي وفقط ؟
للقراءة المفيدة ياسادة أهمية كبرى في بناء الإنسان والحضارات ، وتنمية الفكر والتفكير والمهارات، لما ينتج عنها من اكتساب المعلومات الجديدة النافعة والمعارف الفريدة الناصعة التي من خلالها يتنور العقل بنور العلم النافع، ليصبح كالشمعة التي تضيء لصاحبها الطريق في الظلام الدامس.
لذا كانت أول آية نزلت على النبي، صلى الله عليه وسلم، “اقْرَأْ باسْمِ رَبِّكَ الذي خَلَقَ”، وهذا دليل على فضل القراءة وأهميتها وعظم منزلتها، وأعظم القراءة تلاوة القرآن الكريم، الذي هو كلام الله جل وعلا، فكلما قرأه الفرد وتمعن وتدبر فيه حصلت له أعظم الفوائد، وقوي عقله واستنار، وصلح له قلبه وحاله، ورفعت منزلته، قال النبي، صلى الله عليه وسلم: “يقالُ لصاحِبِ القرآنِ: اقرأوارتَقِ، ورتِّل كَما كُنتَ ترتِّلُ في الدُّنيا، فإنَّ منزلتَكَ عندَ آخرِ آيةٍ تقرأُ بِها” .
ليست العبرة بالقراءة فقط، بل العبرة بالقراءة المفيدة المستبصرة، فقد يقرأ الشخص كتباً تنمي فكره ومنطقه، وتزيده علماً وفهماً، وترتقي بمهاراته ومواهبه، وتغذيه بالثقافة الإيجابية المعتدلة التي يرتقي من خلالها بنفسه ويخدم وطنه، وقد يقرأ الشخص كتباً تهوي بفكره إلى الحضيض، فإياك أن تغتر بالكلمات الرنانة والعبارات المزخرفة دون تمعن في مضمونها، فبعض الكتب الغرض منها غسل أدمغة شبابنا وبث الأفكار المسمومة فيها، حتى يكونوا أداة في أيدي هؤلاء المنحرفين فكرياً، ويتشبعوا بأفكار سلبية تحولهم إلى أعداء لأوطانهم، فالمتطرفون يحرصون على بث السم في العسل في مؤلفاتهم للتغرير بالشباب، وفي المقابل الكاتب الإيجابي همه من كتاباته بناء وطنه وتنميته والسعي إلى ازدهاره ورقيه من خلال كتاباته الإيجابية النافعة.. وشتان بين هذا وذاك.
كما أن الشباب بحاجة إلى الحصانة الذاتية التي تجعلهم على يقظة ووعي تام في هذا الجانب، حتى يميزوا الطيب من الخبيث، والصالح من الطالح.
وتتوافر في القراءة النافعة أربعة جوانب مهمة: الاستعداد، والتمعن، والفهم، والاستنتاج، متى ما توافرت هذه العوامل فقد تحصل الفائدة المرجوة من القراءة، وكذلك لا بد من تحديد هدفك من القراءة، وتخير الكتب بعناية حتى تحصل على المعلومة الصحيحة التي تبحث عنها، وأن تختار من الكتب والكتّاب ما يرتقي بمستواك العلمي والمعرفي.
واحرص عند اختيارك للكتب أن تتوافر في مؤلف الكتاب بعض الضوابط، منها: سلامة العقيدة والمبادئ، فالكتاب وعاء لأفكار مؤلفه، والقارئ هو من يستقي من هذا الوعاء، ومن الضوابط كذلك أن يكون المؤلف متخصصاً فيما يكتب، وعلى القارئ استشارة أهل التخصص، فإن ذلك يختصر عليه الجهد والوقت.
وأوصي الآباء والأمهات بالاهتمام بأبنائهم وغرس محبة القراءة في نفوسهم ومتابعتهم باستمرار، واقتناء الكتب النافعة لهم مع مراعاة المستويات العلمية والسِّنية، وعلى الشباب كذلك أن يحرصوا على بذل الطاقات وتوجيهها نحو القراءة واستثمار أوقاتهم بما يعود عليهم وعلى وطنهم بالرفعة والازدهار.