من الحقائق الثابتة والتي لا تحتاج إلي مزيد من التأكيد ، أن الاختلاف بين البشر موغل في القدم فهو ملازم للإنسان منذ وجوده على هذه الأرض.
بحيث لا توجد أمة أو شعب أو ملة لا تعيش الاختلاف في الفكر أو المعتقد ، وقد خلقنا الله تعالى مختلفين في الألسن والألوان والصفات النفسية والجسدية، ويندر أن يجد الإنسان شخصين متفقين من حيث المستوى الفكري والعقلي والتعاملي.
ومن ثم يجب التسليم بأن الاختلاف ليس غريباً على الإنسان ، فهو موجود منذ أزمنة موغلة في القدم ، المشكلة تكمن في أن الـــمسلمون الأوائل تعايشوا مع هذا الاختلاف ، سواء كان في الرأي، أو الطبع ، أو المعتقد ، في حين عجزت الأجيال الحالية علي تفعيل ثقافة الاختلافات في حياتها ، وحولته من قوة دفع إلي قوة هدم .
نست تلك الأجيال أنه من العبث كل العبث ، أن يراد صب الناس كلهم في قالب واحد في كل شيء وجعلهم نسخاً مكررة، ومحو كل اختلاف بينهم، فهذا غير ممكن، لأنه مخالف لفطرة الله التي فطر الناس عليها .
بل يجب الإيمان بوجود الاختلاف ، وأنه ضرورة ، فإذا جعلنا هذا الاختلاف مقدمة طبيعية ، فالنتيجة المتوقعة منه هي اختلاف الأذواق والأحكام على ما يجري في الواقع .
أفهم ويفهم غيري أن التعايش مع هذه الاختلافات يحتاج إلى فهم مسبق لكيفية التعايش في ظل الاختلاف، وهذا يستلزم وجود النفسية الإيجابية والموضوعية المنفتحة والقادرة على تسخير هذا الاختلاف كعامل يدفعها للبحث عن الحقيقة ، تأسيسا علي أنه لا يوجد أحد فوق البحث عن الحقيقة، أو يدعي فرد بأنه يمتلك الحقيقة بمفرده وحده !!
من هنا يفرض هذا التساؤل نفسه بقوة علي المشهد الراهن : لماذا نجد صعوبة في أن نستمع للآخر وأن يفهمنا الآخر ؟ ، سواء أكان ذلك في البيت أم في العمل أو بين الأصدقاء !! . الجواب ببساطة : أنّ سوء الفهم، الذي يتمثل في أفكارنا المسبقة يؤثر في نقاشاتنا الآنية ، ومنثم فهو يجهض أي عملية تواصل .
أستطيع القول: بأن سوء التفاهم هو الحاكم والمهيمن علي كل التواصل بين الناس. وحتى الأشخاص الذين لهم الاهتمامات والميول نفسها، ويهتمون بالقضايا نفسها وبالمواضيع نفسها، يجدون وسيلة لكي لا يتفاهموا، ولكي لا يستمعوا إلى بعضهم البعض لقناعة كل فرد برأيه هو فقط .
الأمر الذي يؤكد علي أن الهدف من كل النقاشات التي تدور علي مختلف الأصعدة ماهو إلا لتقوية كل فرد قناعاته الشخصية التي كان يحملها قبل النقاش !
لا أجد حرجا أن أقول : أن الكثير من المشاكل التي تحدث في المجتمع تكون بسبب سوء الفهم بين الآخرين ، وهذا يعمل على زرع الحقد والبغضاء بين الناس وبالتالي يعمل على تفكك المجتمع ، لذلك لا بد من قطع الشر من جذوره والابتعاد عن سوء الظن بالناس ، امتثالاً لقوله تعالى في كتابه الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ) .
في نظري أن سوء الفهم ممكن يكون آفة عظمي عندما يكون قاعدة نحكم بها على الآخرين من خلال فهمنا لأقوالهم أو أفعالهم أو مواقفهم …فنحاكمهم على أساس فهمنا هذا ، بل وقد يتعدى الأمر إلى إصدار الأحكام والتهم على الناس دون بينة …وفي بعض الأحيان إلى ظلمهم وهذا هو الأشنع ..!!
أمر مؤلم جدا أن يصل سوء الفهم لدى بعض الناس لدرجة الظلم ، والأنكي هو أن يكون سوء فهمهم وظنهم هو دليل إدانتهم لغيرهم ، بعد أن يتم تفسيرها بطريقة بعيدة كل البعد عن حقيقتها ..!!
أزعم أن لسوء الفهم هذا ، الذي يصل إلى حد إصدار الأحكام على الآخرين أسباب منها :
* سوء النية : فربما تكون سوء النية هي أساسا بناء الأحكام ، ومنها أيضا سوء الظن … عندما يسيء الإنسان الظن بشخص أياً كان، فلا بد أن يسيء الفهم تلقائياً ، فهو يقصد كذا أو يريد كذا وهذا لا يحتمل إلا هذا الشيء !!
فلماذا نحمل مقاصد الناس على المحمل السيئ؟ إن المنطق العقلي البحت ومنطق العدل المجرد مع الناس أياً كانوا يجعلنا نتجرد من كل هذه القضايا.
لماذا أحكامنا كلها مبنية علي الظن ، أليس الظن أكذب الحديث كما جاء في الحديث : “اتقوا الظن فإن الظن أكذب الحديث”.
الوسيلة الوحيدة بنظري للتخلص من هذه الآفة هو حسن الظن بالناس …نعم أن يحسن كل مسلم الظن بأخيه المسلم … وهو منهج شرعي إن أخذ به كثير من المسلمين اليوم ستنصلح أحوال المجتمع بشكل كبير .
علينا جميعا أن نحسن الظن ببعض في أي قول أو فعل ، خصوصاً في المنديات التي يأمل منها الوصول إلى الحقيقة ، بدلاً من حالة التناحر والاقتتال في الكلام ليحوذ كل فرد قصب السبق في الوصول قمة الترندات الإعلامية.
كما يجب علينا أن نحمل كلام الآخرين على أحسن المحامل ما دامت ممكنةً، فقد ورد عن سعيد بن المسيب قوله: ” كتب إلىَّ بعض إخواني من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن ضعْ أمرَ أخيك على أحسنه، ما لم يأتك ما يغلبك، ولا تظنَّنَّ بكلمة خرجت من امرئ مسلم شرًّا، وأنت تجد لها في الخير محملاً “.
وقال جعفر بن محمد – رحمه الله -: “إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره، فالتمس له عذرًا واحدًا إلى سبعين عذرًا، فإن أصبته، وإلاَّ، قل: لعلَّ له عذرًا لا أعرفه”.
إن سوء الفَهْم للواقع، والتسرُّع في تأويل الكلام أو الفعل على غير مراده – مزلة أقدام، وسفاهة أحلام أودت في بعض الأحيان إلى القتل، كما فعل (أسامة رضي الله عنه ) عندما قتل ( وهو غير محق ) من نطق بالشهادتين ظنًّا منه أنه إنما هرب بذلك من الموت، وقد يؤدي سوء الفَهْم إلى الطلاق، والفراق، وتشتيت الأُسَر، وإيغار الصدور، وكم من زوج/ة ، قد يسيء فهم شريكه بسبب كلمة أُسِيء فَهْمُها، وفُسِّرَت على غير وجهها!
لقد تعظم البَليَّة والرزيَّة عندما يُساء فَهْم مراد الناس في أقوالهم، وأفعالهم، وتفسر على غير وجهها؛ تشفيًّا منهم ، وحطًّا من قدرهم، أو وشايةً بهم .
ألا فلنتق الله،ولنحسن الظن ببعضنا ، ولنتتحقق من مراد ما لم نفهمه من الأقوال والأحوال؛ فإن ذلك أسلم لديننا ودنيانا .
إن لآفة سوء الفَهْم أسبابًا كثيرة، ينبغي أن نعرفها؛ ليكون العلاج باتِّقائها، ومنها: الجهل واتِّباع الهوى، وسوء النيَّة، وخبث الطويَّة، وسوء الظن، وعدم مراعاة حال الإنسان عند نطقه أو تصرفه؛ فقد يكون في حالة يتصرف فيها تصرُّفًا لا يعبر عن حقيقة ما في نفسه.
ومن الأسباب: التسليم بما ينقله المغتابون والنمَّامون الذين يفسرون أقوال الناس وتصرفاتهم على أهوائهم، فإذا بحثت عن الحقيقة، وجدتها بعيدةً عن تلك النقول المغرضة. وكم أُسِيء فَهْم كلام شخصٍ تُقوِّل عليه ما لم يقله، أو حُرِّف في كلامه؛ بسبب سوء فَهْم أو قصد ناقله”
ومن أسباب سوء الفَهْم: الحكم على نيَّات الأشخاص، واعتبار هذا الحكم مرجعًا أساسًا، وكأنه شق عن صدره؛ ليعلم قصده، بل إن من الناس من يحاول تصحيح فَهْم مراده، فيكابر بعض السامعين، ويرد هذا التصحيح، ويلزم الشخص بذلك السوء الذي فهمه ذلك المكابر، الذي يحمل الحقد غالبًا بين جنبيه.
ومن أسباب سوء الفهم: عدم وزن الإنسان لحديثه، أو تصرفه، أو رمي الكلام على كواهله، مع وجود عدة احتمالات له، ومنها احتمالات سيِّئة، فلا يُجرد الكلام عنها أو يصرح بعدم إرادتها، فينبغي للإنسان أن يربأ بنفسه عن مواطن التُّهم فعلاً أو قولاً؛ لئلا يُسيء الناس فَهْمه، ويتَّهموه بما ليس فيه.
ملخص القول :
لنتروَّ في تفسيرنا للأقوال والأفعال، ولنجعل حُسْن الظن فيما نسمع ، ولو فرضنا مخالفة القول لما نشاهده ، وحتي إذا كان الفعل أو القول غير لائق، فاعتذر صاحبه، فلنقبل اعتذاره، وإن لم يعتذر، فلنلتمس له عذرًا؛ قطعًا للطريق على الشيطان أن يظلمَ صدورنا بالضغينة، والحقد، والبغضاء .
وأن نعلم أن علاج سوء الفهم يكون عن طريق توضيح الكلام منذ البداية ، توضيحاً لا يحتمل التأويل أو التخمين ، فضلا أن يكون الإنسان مستمعا جيداً لتجنب سوء فهم الآخرين . ومن الكياسة أن يعرف الانسان الخطأ الذي ارتكبته وبالتالي أدى إلى سوء الفهم ، ويعمل على تفاديه في المرات القادمة .
ولا حرج من توجيه سؤال للمتحدث مثل ” ماذا تقصد بكلامك ” حتى تتأكد من معنى كلام المتحدث وتبتعد عن سوء الظن .
وأخيراً ليكن دستورنا في المجالس قول سيدنا عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – الذي يقول فيه : (لا تظنّن بكلمةٍ أخرجت من صديقك شراً، وأنت تجد لها في الخير محملاً) .
.