في مطلع شبابي كنت شغوف بسماع الراديو ، وكان الراديو لا يفارقني ثانية من ليل ، كنت أحفظ مواعيد برامجه ، وبصمات أصوات مذيعيه ، ومن بين جل البرامج التي كنت أحرص علي سماعها ، برنامج درامي كان يعده ويقدمه الدرامي عبده دياب كان إسمه ” أغرب القضايا ” ، كان يقدم فترة درامية غريبة بها كل عناصر التشويق والإثارة وكانت فرصة لكي يعمل العقل تفكيره فيمن قتل بطل الحلقة أو من فعل ذلك الموقف الغريب الغامض ، وأمضي يوما كاملا في التفكير لحل اللغز ، قبل أن أسمعه جاهزا في حلقة الغد .
اليوم أشاهد حلقة من هذا البرنامج ولكن في مكان آخر وبأداء مغاير وبمسمي مختلف !! ، فلتسمحوا لي أن أقول ما أحسه ، دون الحكم السريع علي قولي . وإني إذ أقول لأعترف علي نفسي أن ما أقوله لا يرتكز على معلومات مؤكدة ، وإنما هي قراءة في مشهد ، ولو غلب علي هذه القراءة النظرة المتشائمة أو الفكر التأمري .
ما أود الكلام عليه هو مسرح العرائس الرياضي ( بطولة كأس العالم لكرة القدم) ، أو بالأحري المنظومة الرياضية العالمية ، ولا يستعجل أحد في الخروج من المقال بحجة أن المقال رياضي ، والناس في حالة تشبع بالرياضة ، وفي حاجة ماسة لشيء يرتبط بمنهج الحياة !؟
أؤكد علي أنه ليس رياضياً البتة ، بل أطمأن الجميع أنني أعلن إعتزالي الكتابة الرياضية ، بل والمشاهدة الرياضية إلي غير رجعة ، بعد أن أمضيت فيها ٣٧ عاماً ، منذ أن قابلت الأستاذ العظيم حمدي النحاس في مؤسسة دار التحرير للطبع والنشر وعملت معه .
إن الإفرازات اللا أخلاقية التي أفرزتها (البطولة الأخيرة لكأس العالم ) بلغت مالا يمكن تحمله من تجاوزات تصطدم مع ثوابت القيم الإنسانية ، وتفرض علي كل من يعمل في مجال له علاقة بالرياضة أن يسأل نفسه : هل هؤلاء اللاعبين الذين كتبنا عنهم عظيم المقالات من أجل توسيع نطاق الشهرة لهم ، ليكونوا نماذج إنسانية تأخذ بيد المتابعين إلي منطقة آمنة من أغلال التطرف والمخدرات وسوء السلوك . هم أنفسهم الداعين إلي الرزيلة والممارسين لها !!!؟؟؟
بئست المتابعة وبئس العمل في هذا المجال الآسن الذي يتبني الشذوذ ويدعو له نجوم ملاعب الرياضية ومندياتها العظمي ، أمام قادة العالم وأمام قادة المنظمومة أنفسهم ، الأمر الذي يدفعني أن أفكر _ ويحق لي أن أفكر بهذه الطريقة _ أن هناك قوي أكبر من قادة المنظومة ، تتحكم في مقاليد الأمور ، بدرجة أن تجبر رئيس الفيفا نفسه أن يحتفي بنفسه وهو يتصور مع وزيرة داخلية ألمانيا التي جائت مع فريقها للدعوة للشذوذ والمثالية الجنسية ، لا من أجل المنافسة والتي خرجت منها سريعا تجر أذيال الخيبة والعار .
هل يحق لي أن أفكر وأدعي أن هناك قوي _ سميها بأي تسمية _ تحرك هذه الإمبراطورية من الخفاء وتمولها بسخاء ملحوظ أوصلت ثمن اللاعب الواحد إلي مائة مليون جنيه في بلدان يأكلها الجوع ، فما بالك بثمن لاعب يلعب في منطقة ثانية بأرقام وامتيازات تفشل الأصفار في بيان حجم مبلغ ثمنه السنوي ولا حتي حجم ما يتقضاه أسبوعياً ، لضرب منظومة القيم في مقتل وتحصرها في المادة وكيفية الحصول عليها !!
هل يحق لي _بفكري المريض _ أن أفكر أن هذا الأموال الطائلة رصدت من قوي خفية عظمي من أجل بناء أشخاص ( تفجيرين ) نعم أقصد الكلمة بمفهومها الذي تفهمه ؛ فليست التفجيرات كلها تفجيرات كيماوية ، بل معظمها يكون إجتماعيا . خصوصاً في مجتمعات تعشق التقليد ، والأمثلة كثيرة . خذ مثالا واحدا منها : فقد تبنت بعض المنظمات مارادونا ليكون مثل أعلي لكل الشباب في العالم ، ثم أخذته إلي مضجع الذبح ، إلي أوكار المخدرات وحانات الرذيلة ، ليعب فيها بنفس المهارة التي أعدته به القوي المنتجة له ، لتأخذ الفريق المقلد له إلي تلك الأوكار والحانات بمنتهي السهولة . واليوم يعاد السيناريو بشكل آخر ، نجوم المونديال يروجون للشذوذ علنيا ، يالها من مفاجأة مروعة !؟
فكر تخريبي ممنهج علي أعلي مستوي من المهنية والاحترافية ، ولا داعي معه لحروب ثانية ولا ثالثة ، ولا حاجة إلي خلق عقد تاريخية للدول الراعية لتلك الحروب !.
هل لي الحق أن أفكر : بأن إختيار دولة قطر لتنظيم بطولة عالمية بهذا الكم والحجم، كان مقصودا بدقة من أجل : الاستحواذ علي تفكير أطفال وشباب تلك المنطقة السليمة إلي ثقافة أخري ، عن طريق اعطائهم جرعة تعريفية ليست بالقليلة عن الشذوذ والمثلية الجنسية والانحراف السلوكي ، فخلقت حالة من التساؤلات الصبيانية عما يقصدونه هؤلاء النجوم من وراء هذه الحركات والايماءات ، بغية أن تقع الفاجعة في مجتمعات تحب الفضيلة وإن كانت تحب أيضاً التقليد ببلاهة ، أيما كان خطره وشره !؟ هل هذا هو المقصود ؟ . أنا أميل إلي هذا الإعتقاد !؟.
ياسادة ليست هذه هي كرة القدم ، ولا هذه هي منافستها الشيقة ، كرة القدم التي نعشقها جميعا كانت تسيطر علي كل العاملين فيها من إداريين ولاعبين ومدربين ومشجعين التحلي بالأخلاق الرياضية السمحة لأنهم القدوة، وكانت تلك الصفات هي المحدد الأساسي للإنخراط في العمل الرياضي لأن التمسك بالأخلاق الحميدة والقيام بالتصرفات السليمة التي تنم عن خلق رفيع، هي من أهم معايير النجومية وأخص بالذكر هنا اللاعبين ، لأنهم القدوة لملايين البشر الذين يتابعونهم ويتعلقون بهم ويعشقونهم، وبالتالي يتأثرون بتصرفاتهم، فإن كان لاعب كرة القدم خلوقاً يؤثر إيجاباً في المتابعين والمشجعين، خاصة البراعم والناشئين، وستتجسد تلك الصفات الجميلة في شخصياتهم وينعكس ذلك في حياتهم اليومية .
وتتضاعف أهمية الأخلاق لارتباط الرياضة بشريحة الشباب التي على أكتافها تبنى حضارات الأمم لأن الرياضة جملة من المبادئ والقيم ، تعتمد على زرعها في نفوس الناشئة وتربيتهم عليها حتى يتخلقوا بها في سلوكياتهم العامة والخاصة ، داخل ملاعب كرة القدم وخارجها ، وتسخيرها لخدمتهم الخاصة وللمجتمعات والأوطان ، فالأخلاق الصادرة عن النفس الإنسانية تعبر عن شخصية صاحبها وطبائعه، ومن هنا تأتي أهمية الأخلاق ، حيث لها التأثير الكبير في سلوك الإنسان وتصرفاته وأفعاله وردود أفعاله وعلاقته بالمجتمع وبالآخرين، فأي عمل يقوم به الإنسان في حياته سيكون مراقباً من قبل ضميره ومسيرا تبعا لأخلاقه، وأهمها في النشاطات الرياضية ومباريات كرة القدم على وجه الخصوص، حيث إن التنافس الشريف وإثبات الذات والقدرة على التفوق بالوسائل المشروعة وضمن ظروف المنافسة العادلة والبعيدة عن الخروج عن الخلق الرياضي القويم، تلك الأمور لها أهمية أكبر من تحقيق النتائج وحصد الألقاب، وكرة القدم بالمبادئ الرياضية كانت وما زالت وستظل منهجاً ومنبراً للأخلاق والقيم والمبادئ والمثل العليا، حيث تعتبر ترويضا للنفس قبل أن تكون حصداً للألقاب والكؤوس ويجب أن يتحلى اللاعب بالأخلاق الفاضلة لأن تحقيق الإنتصار والصعود إلى قمة الشهرة يتعلق بالعطاء والجهد والمثابرة والتفان والإخلاص ، وليس باتباع الممارسات الشاذة والقصات العاهرة والسلوكيات المنفلتة ،والتي تؤدي في أغلبية الأحيان _خاصة عند ضعاف النفوس_ إلى الانحراف إن لم ينضبطوا بالأخلاق.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة ، هل والحالة كما رأيناها ، وما تدعو إليه الجهة الداعمة للرياضية العالمية من شذوذ وانحراف ، من جرم أدبي علي من يعمل في المجال داعماً له دون نقد بناء يجبر أولي الأمر إلي التخلي عن التفكير الإجرامي هذا ، فليسمح لي أساتذة هذا المجال وزملاء العمل أن أوجه.جهدي صوب الكتابة
الدينية والإجتماعية التي لها مردود إيجابي وأجر أخروي ، بدلا من الكتابة عن أشخاص ليس لهم من قيمة أخلاقية ولا لعملهم من مردود طيب ، بعد أن ثبت بما لا يدع مجالا للشك ، أنهم عرائس بيد مخرج خفي ماهر وعظيم في إجرامه !؟
كما أستأذنهم في اعطائي حرية التفكير ، حتي لو ظننت ، أن هناك من يتخذ من سلاح الإعلام العالمي طريقا لإفراغ المجتمعات السليمة من رموزها ومفكريها ، عن طريق تحويل ثقافة المثل الأعلي صوب رجال لا يتخذون من التفكير منهج حياة ، وليسمح لي البعض في جنوحي الفكري عندما أصل إلي قناعة : أنه ليس ببعيد توجيه جل الأموال والإعلام لدعم لاعب معين من منطقة معينة إعلاميا لصرف نظر شبابه عن رموزه العلمية وتوجيهها صوب هذا اللاعب وبالتالي ينصرف حرص الناس عن التعليم والتميز العلمي ويتحولوا بفكرهم كله صوب هذا اللاعب لدرجة تجعلهم يبيتون ليلهم علي أبواب الأكاديميات الرياضية انتظارا للمعجزة التي تنقل الأولاد إلي مكانة هذا اللاعب !
انا متأكد أن كل قرار دولي وراءه غاية خفية لا تظهر علي العوام ولا علي المهتمين ، بل لا يصل إليه إلا الحاذقين ، أولئك الذين يفقهون إلي مرامي الفعال بعيدة المدي ، الذين يرزقون الفهم والرؤية .
وبما أني لست واحداً منهم _ وإن كنت أحاول الدخول في زمرتهم _ فهل يسمح لي المجتمع بالتفكير بهذه الطريقة ، واضعا تلك المخاوف أمامي ، زاعما أن الكون في حالة صراع ، سواء كان ظاهراً علي الملأ أو خفي ، أو مؤجل لحين الحاجة إليه . والدليل علي ذلك مقولة أحد الظرفاء : أصدقاء اليوم أعداء الغد ودواليك .حسب المصلحة والحاجة !؟
صدقا أجدني مضطرا إلي عدم كتابتي في الشأن الرياضي مستقبلا _ رغم عشقي له _ حتي أتبين حقيقة الأفكار التي تداهمني ليلا ونهارا منذ انطلاق بطولة قطر المشؤومة التي صدرت لأطفالنا أفكاراً وسلوكيات وصور تعجز جل الحروب الفكرية عليها .
نعم كنت علي علم بأن الرياضة انحدرت إلى التجارة بفضل الرعاة الذين يوجهونها صوب غايتهم ، ولكن لم أكن أعلم أنها هذه الإمبراطورية مترامية الأطراف قد وصلت إلى وضع متأزم أفقدها مصداقيتها وتمرغت نزاهتها في وحل الفساد فهي التي كانت في الماضي تمنع إستخدام أي شعارات سياسية أو دينية داخل ملاعبها ، تعجز اليوم عن مجابهة دعوة للشذوذ والعهور في ملاعبها ، لدرجة تصل إلي إشارة أحسن حارس مرمي في البطولة بجائزته بطريقة مقززة تدعم توجهات رعاة الرياضة في المستقبل القريب ، ولا تكفي عقوبة سحب الجائزة منه من وجهة نظري ، بل تستوجب سحب اللقب من الفريق ككل ولتذهب مهارة ميسي في عرض البحر بل وميسي نفسه إذا كان الأمر يتعلق بالقيم ، خاصة أن اللعبة والتي لا يمتلكها الفيفا وليس حرا في العبث فيها ، هي عشق الصغار قبل الكبار
وتدخل البيوت من أوسع أبوابها ؛ مما يستوجب أن تكون الأنظف والأكبر نقاءا وطهارة، لأن تأثيرها يشمل الجميع.
من هنا إتخذت قراري بالابتعاد عن الكتابة الرياضية ، مع علمي بصعوبة أعتزال شيء أحبه ، لأن ليس لدى إلا الكتابة، فهي تأخذنى إلى عزلة، نعم عزلة ، فهناك عزلة مؤلمة وأخرى تذهب إليها برغبتك، وأنا سعيد بهذه العزلة، وأكون سعيدا عندما أقرأ، فهى أنهار مفتوحة على كل عطور العالم، ومن خلالها أتعرف على خبرات البشر وتجاربهم وتاريخهم .
لست نادم علي الابتعاد عن متابعة هذا المسرح ، لايماني بأني لم أعد املك لدي أى جديد في هذا المجال ، فما لدي مثل ما لدي الغير ظن في ظن ، فضلا عن اعتقادي بأن ما أكتبه لا يحرك عقرب الرضي عندي ، فليس الأمر أمراً هيناً أن تكتب كل تلك المئات من الصفحات على مدى ذلك العمر الطويل ، وتتنقل بين عشرات الصحف وأن تضع لآلاف القراء كل النقاط اللازمة على الحروف العارية والمضطربة، في أصعب الأوقات ، من أجل تثقيفهم بثقافة رياضية تقوم علي ضبط سلوكهم صوب منظومة القيم ، ثم تستيقظ من ثبات نومك ، أنك كنت آلة في ترس لمضغ تلك القيم .
فلا مانع من البعاد لفترة من الزمن ، للراحة ولستبيان الحقيقة ، ولا مانع إذا ما اكتشفت صح أو خطأ موقفي أن أخبر حضراتكم به . إن أردتم ؟
ما بقي من كلام
أزعم أن ما يمارس الآن في الملاعب الدولية ليس له علاقة بالروح الرياضية ولا بالنزاهة التنافسية ، و لم يعد من أجل بناء الشخصية أو للمحافظة على صحة الأجسام ، بل هو من أجل أشياء أخري ، وغايات خفية !؟ وماهي الا حركات تؤدي على مسرح العرائس الرياضي بيد مخرج خفي عظيم في إخراجه .
إن مسؤولية الإعلاميين تعتبر على درجة كبيرة من الأهمية حيث ترتكز على نشر الوعي الرياضي وبيان محاسن الأخلاق وكشف الممارسات والأساليب التي لا تمت إلى الرياضة بصلة. فأني لنا بحقيقة الأمور وخفايا التصرفات ، وأيضا القدرة علي تغيير المنكر من الأفعال والأقوال !؟