لم ينس شهر طوبة أن يرحل قبل أن يلفحني بنزلة برد شديدة نفذت إلي أضلاعي ، فأخذت العزم والسعي مني ، وأردتني إلي مضجعي موجوعا متألما .
ألا ما أوجعه ألم العظام عندما يصلها تأثير البرد – خصوصاً بعد (التخويخ) لا تنفع معه مسكنات ، ولا تشفع له مهدئات .
ويبقي التوجع والتقلب علي جمرات الألم هو سيد الموقف ، والداعي الي مفارقة النوم والإحساس بالراحة !!
وسط هذا الجو الملبد بالألم والصقيع ، أعطتني حبيبتي وصديقتي ابنتي الآنسة حبيبة الدواء وكوب ينسون ثم أدارت الراديو الذي لا يفارق سريري ، عله يشغلني عن ألمي ، فما خيب الجهاز ظنها ، فإذا بالسيدة العظيمة أم كلثوم ، وكأنها أحست بحالي فواستني برائعتها ذائعة الصيت ، والمدوية في سماء الإبداع والمعنونة بحديث الروح .
يالها من قصيدة جبارة شامخة التقي فيها التاريخ والجغرافيا والدين، والروح، والأدب، والفن، والموسيقى في مشهد واحد بالغ الروعة .. وهو ما يعطي لهذا العمل الجزل إمكانية أن يعيش وببقى ، كما يبقى الذهب لا يحتاج إلى من يجلوه أو يظهره،( يلمِّعه أو يصقله ) ، لا يعتريه صدأ، ولا ينال منه غبار على مر الزمن !
لقد أثبتت الأغنية بالغة التميز والإبهار ، أن ما يبوح به القلب وينطق به العقل لا تسجنه لغة، ولا تحدُّه جغرافيا، ولا يأسره تاريخ، إنه يصل إلى العقول ويستوطن القلوب أينما كانت ، وكيف كانت ، دون تأشيرة دخول أو جواز مرور . إنه يطير بلا جناح، وينشر عطره أينما كان على الأرض هواء، لا يعرف الحدود، ولا تعيقه قيود، تلتقي عليه الأمزجة الصافية ، وتتوافق معه الأرواح النقية ، وتتجمع حوله العقول النابهة والقلوب الواعية.
لقد كشف العملاق محمد إقبال ،كاتب القصيدة النفيسة عن روحه الإسلامية الصوفية، وإيمانه بربه، وحسه الديني، وخوفه على أمته .
وهو بالمناسبة شاعر و مفكر باكستاني ولد عام ١٨٨٧ في إحدى مدن إقليم البنجاب الغربية في الهند ، وتوفي عام ١٩٣٨ .
إن الاستماع لكلمات الأغنية بتمعن يجبرك على أن تكون صوفيًا، تعايش الأحداث وكأنك في الملكوت تعاين بالعين ، من فرط بلاغة النص ، وروعة الصوت ، وقوة وعمق اللحن الصوفي للعظيم السنباطي الذي صهر كل الطاقات الروحية والفنية ليخرج للإنسانية رائعته الخالدة بهذا العمق الروحي.
لقد تفوق الرائع السنباطي علي نفسه حينما وزن كل كلمة وزنا لغويا وروحيا ، فأتي لكل كلمة بلحن على حدها ، وليس كل مقطع ، ليخرج لنا قطعة موسيقية فنية لا تبعدنا موسيقاها عن مناجاة الله، فكان اللحن نسمة ولم يقطع حالة الوصال الصوفي.
هيا بنا إلي قراءة متأنية للقصيدة والتي ألقتها بدرجة فائقة من الإبداع سيدة الإبداع والتميز العربي السيدة أم كلثوم ، سمتا ، وخلقا ، وأداءا ورقيا ومهنيا و…و….و…!!؟ وعذرا مقدما لو خانتتني مهارة التدوين خلف السيدة أم كلثوم من نسيان جلمة أو جملة أو كوبليه لعدم حفظي لكلماتها ، وهذا ما امسكته قدرتي من كلمات .
حديث الروح للأرواح يسري (يمضي ) وتدركه القلوب بلا عناء ، هتفت به ( خاطبته) فطار بلا جناح وشق أنينه صدر الفضاء. ومعدنه ترابي ولكن جرت في لفظه لغة السماء ، لقد فاضت دموع العشق مني ، حديثا كان علويا ندائي فحلق في رُبا الأفلاك ،حتى أهاج العالم الأعلى بكائي.
تحاورت النجوم وكل صوت بقرب العرش موصول الدعاء ،
وجاوبت المجرة عل طيفا سرى بين الكواكب في خفاء ،
وقال البدر هذا قلب شاكٍ يواصل شجوه عند المساء ، ولم يعرف سوى رضوان صوتي وما أحراه عندي بالوفاء .
شكوايّ أم نجوايّ في هذا الدجى ( سواد الليل وظلمته ) ونجوم ليلي حسدي أم عودي.
أمسيت في الماضي أعيش كأنما قطع الزمان طريق أمسي عن غدي ، والطير صادحـــة على أفنـــــانها تبـــكي الربى (التلال ) بأنينها المتجــــــدد.
قد طال تسهيدي وطــــال نشيدها ومدامعي كالطل في الغصن الندي.
فإلى متى صمتي، كأني زهرة خرساء لم ترزق براعة منشد
قيثارتي ملئت بأنات الجوى ( شدة الوجد من عشق أو حزن )
لا بد للمكبوت( ماخفي في النفس من أحاسيس ومشاعر) من فيضــان.
صعدت إلى شفتي خواطر مهجتي ليبين عنها منطقي ولسـاني ،أنا ما تعديت القناعـة والرضا ،لكنما هي قصة الأشجـان ، يشكو لك اللهم قلـب لم يعش إلا لحمد علاك في الأكـوان.
من قام يهتف بإسم ذاتك قبلنا ؟من كان يدعو الواحد القهارا ؟
عبدوا الكواكب والنجوم جهالة لم يبلغوا من هديها أنوارا !!!
هل أعلن التوحيـد داع قبلنا وهدى القلوب إليك والأنظارا ؟
ندعوا جهارا لا إله سوى الذي صنع الوجود وقدر الأقـدارا .
إذا الإيمان ضاع فلا أمان ولا دنيا لمن لم يحي دينا
ومن رضي الحياة بغير دين فقد جعل الفنـاء له قرينا .
إذا الإيمان ضاع فلا أمان ولا دنيا لمن لم يحي دينه.
وفي التوحيد للهمم إتحـاد ولن تبنوا العـلا متفرقينا.
ألم يبعث لأمتكم نبي يوحدكم على نهج الوئــام ؟
الاستفهام ب ( ألم) الغرض منه حث المتلقي علي التفكير والبحث ، حتي يستنتج خطورة التفرقة بين أبناء الإسلام.
ومصحفكم وقبلتكم جميعا منار للأخـوة والسلام !؟
وفوق الكل رحمان رحيم إلاه واحد رب الأنــــام
إلاه واحد رب الأنــــام .
ارجو ألا يغيب عن فكركم أن هذا العمل الفني هو بمثابة مناجاة شاعر لله طمعا في رضاه ، وتضرعه إليه ليفرج همومه وأحزانه ، وهكذا يكون حالنا عندما نحتاج إلي مدد الله لمجابهة الكوارث والملمات التي نتعرض لها .
وقد أبدع الشاعر ايما إبداع عندما صور تلك اللحظة بتحاور النجوم مع دعاء كل شخص يواصل بث شكواه لله ، لدرجة تصل لاهتزاز المجرة كلها من جراء حديث القلب الشاكي الذي يبث أمله كل مساء، لدرجة جعلت النجوم – من جراء المداومة علي بث الشكوي – على علم بالصوت الذي يأتيها من كوكبنا أنينا ودعاء ، وقلن صوتا بقرب العرش موصول الدعاء ، وجاوبت المجرة عل طيفا سرى بين الكواكب فى خفاء ، حتي قال البدر هذا قلب شاك يواصل شدوه عند كل مساء ، وينفرد رضوان دون غيره بمعرفة صوت الشاكي وما أحراه بالوفاء !!؟
وتتواصل المناجاة حتى يأتي الجواب على الشكوي بتذكرة المسلمين في شتى أقطار المعمورة من مغبة ضياع الإيمان،
إذا الإيمان ضاع فلا أمان ولا دنيا لمن لم يحي دينه، فالتحذير واضح وجلي للجميع فمن ضاع إيمانه بالله فلن يعيش آمنا وسيظل بلا أمان، وهذه هي النتيجة الطبيعية لمن لم يحافظ على دينه ، ألا تكون له دنيا !! ، فمن يعمل لدنياه فقط لن ينفعه ذلك في الآخرة ، وسيكون الفناء مصير من رضي الحياة بلا دين .
.ولم تنس المناجاة التي بلغت القمة في البلاغة إلي لفت أنظار المسلمين إلي الإتحاد باعتباره قوة ، وبلوغ العلا لا يأتي إلا من خلاله ، وليس من متفرقين، الأمر الذي يستوجب علينا جميعا أن نكون على كلمة سواء أسوة برسالة نبينا الكريم الذي وحد العرب برسالته، ويكفي عزة وافتخار للمسلمين جميعا أن قبلتهم واحدة ومصحفهم وقرآنهم محفوظ ليوم الدين، وربهم الواحد الحي الرحمن الرحيم رب كل الأكوان والعالمين .
تمعنوا وتلذذوا قول إقبال في مناجاته : وفي التوحيد للهمم إتحاد ، ولن تبلغوا العلا متفرقينا . موجها كلامه للعرب والمسلمين .
ألم يبعث لأمتكم نبي يوحدكم على نهج الوئام ومصحفكم وقبلتكم جميعا منار للأخوة والسلام ؟ مذكرا إياهم بأن فوق الكل رحمن رحيم ، إله واحد رب الأنام .
هل وقفتم علي مهارة إقبال في بث شكواه وأنينه بشاعرية ومهارة لغوية فريدة ؟
هل حصرتم المفردات التي اقتبسها إقبال من حقول العاطفة وطوعها في مناجاته: الروح ، القلوب ، أهاج ، بكائي ، قيثارتي،الجوي ، أنات ، فاضت مهجتي.
هل وصلكم تأثير هذه المفردات في جزالة النص وتفرده ؟
هل تلاحظ لكم قوة إقبال البلاغية في معادلة تلك المفردات العاطفية بمثيلتها الإسلامية ، الإيمان، دين التوحيد ، مصحفكم ، إله، رب الأنام ، رحمن ، رحيم ، تمازج جميل وعجيب بث به الشاعر شكواه وأنينه بقلب حزين مفعم بالإيمان .
لقد تقمست الحالة وحاكيت إقبال في مناجاته وشكوت حالي لله بلغة وتضرع وخشوع إقبال، فجاء الفرج فورا دون أدوية ودون مشروبات ، فقفزت من مضجعي نشطا أدون هذا المقال ، آملا أن يحذو حذوي كل متعب أو محتاج أو مهموم ، ليقفز هو الآخر من همه واحتياجه إلي سماء النشاط والهمة . ألا ما أروعه العلاج بالألحان!!؟
تبقي كلمة.
أهم ما تتضمنه المناجاة : تعلق النتيجة بالشرط ، إذا الإيمان ضاع بين الناس ولم يفعل تفعيلا حقيقياخ لا شكليا ، فالنتيجة الحتمية ، لا أمان للناس علي الارض ، ولا دنيا لمن لم يحي دينه ، أيضا نتيجة معلقة علي شرط ، وكما هو الحال لمن رضي الحياة بغير دين ، فقد جعل الفنـاء له قرينا .