الأفلام السينمائية، قد تصبح من أخطر الأسلحة وأشدَّها فتكًا، بالرغم من أنها الذاكرة الجماعية للشعوب ومدونة التاريخ المكتوب والمرئي عبر العصور المختلفة. فالجانب الحميد والإيجابي بالسينما يتلاعب به من وقت لآخر من يحاولون تسميم أفكار الشعوب من خلال تغير مفاهيم أخلاقية وفطرية ثابتة، وتشويه الحالة العقلية لمليارات من البشر، وخاصة الأجيال الناشئة. وتعد الأفلام السينمائية بمثابة وسيلة لترسيخ مبادئ ومفاهيم، على عكس المسلسلات الدرامية التي يدسّ بها أيضًا نفس المفاهيم، لكنها تعتبر نموذجًا لكيفية التطبيق.
وحتى يستطيع المُشاهد الفصل بين الجانب الإيجابي لصناعة السينما، الذي لا يستطيع أن ينكره أحد، ومحاولات تسريب مفاهيم مغلوطة من خلالها، يجب ألَّا تقتصر مشاهدة الأفلام على الإعجاب بالجانب المُبهر الذي يصوِّر بطل فارس ذو أخلاق حميدة، ولكن قد تشوبه بضع العيوب، التي يستطيع امتلاك زمام أمورها، على عكس الكثيرين الذين لا يستطيعون ذلك. وفي هذا الإطار الرَّاقي، تُنسج حبكة مُبهرة قوامها قصَّة عشق شديدة الرومانسية والنعومة، أو فيلم حركة، شريطة أن يطغى الجانب الإنساني على الأحداث المثيرة المتلاحقة، حتى يعلق في ذهن المشاهد مثال بطل العمل ومفاهيمه، كما هو الحال تمامًا في قصص العشق الرومانسية.
أمَّا زجّ تلك الأفلام للمشاهدين على السَّاحة العالمية، فهو أمر غاية في السهولة، وهذا من خلال انتقاء طاقم تمثيل من نجوم عالمية الجماهيرية والقبول، ويا حبذا لو تمتلك أيضًا سمعة طيبة على أرض الواقع؛ بسبب رقي التعامل أو أعمالهم الخيرية. وغالبًا، يتميَّر هؤلاء النجوم بوجوه بريئة، ويشتهرون بأفلامهم النظيفة.
والأمثلة على ذلك لا حصر لها، ولكن ضرب واحد منها، يُمَكِّن المُشاهد من التفرقة بين الغثّ والسمين. ولعل أفضل مثال فيلم “وصلتك رسالة ألكترونية” You Got Mail، وهو دراما رومانسية كوميدية واجتماعية تم طرحه في السينما الأمريكية عام 1998، ولاقى قبول جماهيري واسع جعله يرقى للمرتبة الأولى حتى نهاية فترة عرضه سواء في الولايات المتحدة أو في دول العالم، بالإضافة لكونه يلقى نفس القبول عند المشاهد حتى الآن. فالخلط بين الكوميديا والدراما الاجتماعية وتغليف الحبكة برومانسية ناعمة أشبه بحكايات العصر الفيكتوي يجذب المُشاهد بسبب اللعب على الأوتار العاطفية. فتتسلل الفكرة لوجدان المشاهد، وتجعله يتماهى مع الأحداث، وخاصة وأنّ أبطال العمل قد نجحوا من قبل في كسب ودّ المشاهد من خلال أعمالهم الراقية؛ أي أن تمثيل الأدوار لا يتطلَّب إقناع المُشاهد. على العكس، هذا النوع من الأبطال يعشقه المشاهد حتى ولو يقدِّم دور الشرير، لأن المُشاهد لا يرى فيه إلا الجانب الطيب الخلوق.
والقصَّة الفيلم باختصار هو نشأة قصة عشق بين رجل أعمال فاحش الثراء وسيدة صاحبة مكتبة شهرتها تمتد على مرّ أجيال طويلة، ويعتبرها القُرَّاء القِبلة والمُلتقى للأطفال والآباء الباحثين عن شراء مادة مكتوبة جيِّدة تزرع القيم في صغارهم. وبعد أن استطاع رجل الأعمال أن يهزم تلك السيدة ويهدم الحلم التي تستميت للتمَسُّك به، يتودد إليها، وأخيرًا يستطيع أن يجعلها تعشقه، وهذا من خلال بعض المغامرات والمواقف الطريفة التي تجعل المُشاهد ينسى أن رجل الأعمال هذا قد أفلس تلك السيدة بلا رحمة وسبب لها التعاسة والشقاء.
الفيلم ببساطة يروِّج بأسلوب ناعم لاعتناق “متلازمة استوكهولهم”، وهي واحدة من العقد النفسية التي يحتار علماء الطب النفسي في تحليلها، ولا يجدون لها سوى تفسير واحد؛ وهو “آلية التكيُّف مع أسوأ الظروف.” وهنا يجب الإشارة إلى أن آلية التكيُّف في متلازمة استوكهولهم لا تنتمي إلى ذاك النوع المحمود، بل أنها تدفع الأسير أو الذي وقع عليه ظلم أو قهر مادي أو معنوي أو كليهما أن ينمو بداخله مشاعر إيجابية تجاه من يؤذيه، بل أنه قد يحاول أن يبرر سلوكه ويتعاطف معه. بل ويعتقد المقهور أن ما يحدث له أمر واقع لا يمكن تغيره، فيصير إنهزامي مؤمن بأنه غير قادر على تغيير وضعه مهما اجتهد.
ولقد اكتسبت تلك المتلازمة اسمها عندما قام مجموعة من اللصوص بالسطو على بنك في استوكهولم بالسويد عام 1973، واحتجزوا العملاء والموظفين على مدار ستة أيام. لكن العجيب، أن الضحايا بعد إطلاق سراحهم دافعوا عن اللصوص، وهناك بعض منهم جمع نقود لتوكيل محامين للدفاع عنهم.
وبنفس الطريقة، يقوم بطل الفيلم رجل الأعمال القاسي بتحطيم حلم الضحية، بل يصل به الأمر للتلاعب بنفسيتها عندما يتخفى تحت ستار صديق وسيلة تواصل اجتماعي – كانت البريد الألكتروني في ذاك الوقت. بل وتصل به القسوة لأن يصبح لها الناصح الأمين الذي يعلمها كيفية محاربة ومقاومة من يقهرها، وأيضًا يغذِّيها بالآمال الزائفة. وبدون شكّ، وبما أنه من يضع الخطط، فهو على دراية بكيفية إفسادها جميعًا. وبعد أن يحطِّمها تمامًا، ولكي يجرِّدها من أي رغبة في المقاومة، يبدأ في إرشادها لأن تحاول أن تبحث عن عمل آخر حتى تضمن وجودها، وبهذا يعمل على تأصيل الشعور بالانهزامية والقهر بداخلها، فتخضع له.
وبعد أن يتأكَّد من أنه قد سممها بأفكاره، يظهر لها شخصيًا، لكن في إطار إنساني ، فيصبح الصديق التي تتمنى أن يكون يومًا ما حبيبًا لها. وبما أنه عليم بجميع نقاط قوتها وضعفها، من خلال لعب دور الصديق المخلص على وسيلة التواصل، يصبح لديه جميع مفاتيح شخصيتها؛ فيتسلل لوجدانها بطريقة تثير إعجابها به. ولا يقف عند هذا الحدّ، بل يجرِّدها من أصدقائها المقرَّبين، الذين كانوا يعملون لديها، ويغريهم بمناصب ومرتبات تجعلهم يتناسون أنه الغريم الذي جرَّدهم من عملهم وجعلهم يعيشون أيام طوال من ضيق العيش والشعور بالضياع. وفي نفس الوقت يحظى بمباركتها؛ حينما يُقنعها أنها إن تدخَّلت وحاولت أن تثنيهم عن العمل لدى من حطَّم استقرارهم النفسي والمادي يومًا، لسوف تقضي على فرصة عمرهم في نيل وظيفة تدرّ عليهم دخل وفير. وبهذا يضغط على الجانب الأخلاقي بها، إلى أن يصبح على يقين أنها لن تغضب منهم. وحتى يقضي على أي أمل بداخلها لتستعيد مكانتها، عندما تسأله ما إذا كان لسوف يعرض عليها وظيفة مثلهم، يضحك ضحكة صفراء هازئة وينافي هذا الاحتمال تمامًا بالقول ولغة الجسد، وكأنه يستنكر سؤالها؛ فمن وجهة نظره، ليس لديها أي حق في أن تسأله عن أي شيء. أضف إلى هذا، عندما تتوطد صداقتهما الزائفة، يخبرها وهو في مشهد صداقة حميمي، “هل أنت غاضبة مني بسبب شيء بسيط وهو أني حطَّمت عملك؟” ودون شك، في تلك اللحظة التي غلبت فيها المشاعر على الصداقة تنفي هذا الاحتمال.
ولكي يفني عالمها القديم تمامًا، يبدأ في التشكيك في شخص ونوايا صديقها على وسيلة التواصل الألكتروني؛ حتى يشتت فكرها السليم ويحوِّل عاطفتها تجاهه، وبهذا يستحوذ عليها تمامًا ويمحي بها أي نية للمقاومة في المستقبل. ولكم كان المشهد قبل الأخير – الذي أجج مشاعر الجماهير – هو مشهد انتصاره الحقيقي عليها وتوكيده أنه هزمها هزيمة نكراء عندما جعلها تردد أفكاره دون أن ينطق بها. وبهذا، دون تفكير أو شروط تقبل به حبيبًا، أو بالأحرى تصبح تابعًا له.
القصة أعمق بكثير مما تبدو عليه، فالأطر الرئيسية لها تلقي الضوء على كيفية تأصيل مفاهيم سياسية وثقافية وأخلاقية في نفوس البشر في غفلة منهم. والمدهش أن السيناريو لا يتغيَّر أبدًا سواء في عالم السينما أو حتى في الواقع، بالرغم من اختلاف المواقف والظروف. الآلة الاجتماعية الفاعلة بمقدورها تبديل ليس فقط مواقف أفراد، بل أيضًا أسس مجتمعات ودول.