لا يُعد الشكل المثلثي شكلا طبيعيا في الأساس ، أو بمعنى آخر هو شكل غير موجود في الأشكال الطبيعية حولنا بطريقة واضحة وصريحة في أي شيء، و لست أعني الشكل المدبب و إنما اقصد هنا الشكل المثلثي الصريح ، فإنك إن بحثت حولك فلن تجده مثلا في أي من اوراق النبات وثماره او في أي من الكائنات الحية بالشكل الصريح ، إنما قد تجد الشكل الدائري و الكروي و القطع من الدائرة و التي قد تُصور كل التشكيلات العضوية تقريبا ، و تجد ذلك في الطبيعة مثلما في تشكيل شاطئ البحر كله مثلا أو ما قد يرسمه الموج على سطح الرمال من اجزاء من الدوائر المستمرة والمتلاصقة بعضها ببعض ، وفي مثال آخر كما في اوراق النباتات و الثمار ، فإننا نجد المقطع الدائري للبرتقالة او التفاحة كروية الشكل مثلا ،
ثم نأتي للشكل المثلثي الصريح أو شكل المربع الصحيح القائم بأضلاعه فإنك لن تجدهما في الطبيعة أبدا ، و بذلك فإن الشكل المثلثي و الشكل المربع هما إختراع بشري صِرف لا يوجد لهما شبيه في الحياة باختلاف تنوعها على سطح هذا الكوكب.
وبالبحث في التاريخ الإنساني و ما تركه لنا الأجداد من الحضارات البشرية الأولى من معالم و عمائر وآثار ، فإننا لم نجد تطبيقا عمليا للشكل المثلثي بالطريقة المذهلة و المعجزة كما وجدناه في الأهرامات المصرية الثلاثة بالجيزة و بالأخص في الهرم الأكبر الذي بناه المصريون قبل ٥٠٠٠ عاما من الآن على أقرب تقدير ، ذلك البناء المعجز ذو الأوجه المثلثية الأربعة و القاعدة المربعة الشكل العملاقة ، و يعتبر الشكل المثلثي و المربع هما اختراعان مصريان اصيلان ، تفرد في دراستهما وتطبيقهما المهندس المصري القديم و استخدامهما في تشكيل المجسم الهرمي ، و ما علوم وحساب المثلثات إلا علوم مصرية أصيله في الأساس، ومن المعروف أن الإغريق و اليونان و من بعدهم الرومان هي حضارات عريقة تعاقبت على أرض مصر من بعد الحضارة المصرية القديمة وأنهم قد اخذوا معظم علومهم و فنونهم من المصريين آن ذاك ، حتى أنهم أخذوا من الفلاحين المصريين حرفية و تقنية و هندسة تقسيم الأراضي الزراعية وحفر الترع و بناء الجسور وتصميم و تنفيذ قنوات الري للزراعة في بلادهم و لا سيما فن العمارة و الهندسة المعمارية المعقدة ، و من المعروف أيضا أن الهرم الأكبر أحد أهم الإعجازات البشرية في حساباته الإنشائية الدقيقة و و المعقدة وطريقة توجيهه و كذا سبب بناؤه فالهرم الأكبر قديم قدم التاريخ نفسه ، و إنه مازال يعد لغزا محيرا للعلماء حتى اليوم ، و هذا ما يدل على مدى ما توصلت إليه الحضارة المصرية القديمة من علوم التي قد تبدو حضارتنا اليوم أمامها بسيطة و بدائية.
و ما يحيرني ما أراه من تلك المحاولات التي تظهر كفقاعات ممنهجة ومقصودة لمحاولة طمس الأثر المصري على الحضارة المدنية القديمة والحديثة لكل سكان البسيطة، ومن تزييف في انتساب العلوم المصرية الأصلية لبعض من تلامذة المصريين القدماء مثل فيثاغورس و أرسطو وغيرهم ، بينما وُجدت الأهرامات و الحضارة المصرية القديمة من قبلهم بدهر من الزمان ، وكما خرج الإنجليز من مصر يتحدثون اللغة العامية في القرن السابق خرج أيضا الإغريق و اليونان والرومان من مصر بالعلوم الهندسية و الفيزيائية و الكيميائية وعلوم الطبيعة والعلوم الفلكية و الإنسانية بل و بالدستور والقانون المنظم للحياة كلها و الذي نتج عنه القانون الفرنسي الذي عاد إلينا فيما بعد بصيغته الحديثة.
والغرض من كتابتي لهذا هو اولا استعراض لمدى تأثير العلوم المصرية القديمة على باقي علوم الحضارات التي أعقبتها كلها وبلا استثناء ، وثانيا لإعمال العقل و الإلتفات لما يتم من تزييف للتاريخ في انتساب علومنا القديمة إلى غيرنا من الشعوب و الحضارات ، و ثالثا بالتأكيد على أن العقول المصرية قادرة على أن تبتكر و تَخترع و تُطور و تُؤثر و تُعَلِّم و تُبهر العالم أجمع في كل زمان و في كل مكان.