العجيب في هذا العهد، أن قليل الحيلة الذي أبت الدنيا أن تضع له أحلامه بالراحة التي يبغيها، تجده ملتفـًا في عباءة الدين متصنعًا الورع والزهد، متقوقعًا في براهين واهية، تعتريه حسرة الهزيمة، فإذا رمق في السّابلة عبدًا منّ الله عليه بالنصر والفلاح، انتقده وبكّته وهمّ ليسبه، متكئا على ما أورده إليه أسياده، فيجتمع بداخله شعور الحقد والغلبة فينفثهن كأفعى منشارية أبت البرية حملها.
هذا هو نفسه الذي يوجد في مصاف الرعناء الساذجين، صاحب منهج ”خالف تعرف” قابعا في كل الأماكن : الحوانيت والأسواق، والمقاهي الشعبية، يكتسي رداء الواعظين، هذا الرداء الذي لطالما نسجه بخيوط مستقيمة ومتوازية مع ما يرمي إليه، بالإضافة إلى لحية كثيفة أخلى سبيلها أخيرًا ، وإذا دققت النظر لوجدته شذ عن الناس فيما اتفقوا عليه لا سيما في مسراتهم، ككرة القدم التي ورثوا عشقها كابرا عن كابر، فيصيح بصوته «الكورااعع حراااام» أو كمسلسل درامي جار عليه الزمن «التمسلياط حرام».
أصبحت مهنة من لا مهنة له، وضع اجتماعي عظيم للبائس الذي باتت حياته مسربلة بالفقر والإملاق، فلحيته الكثيفة كانت هي التأشيرة التي عبر بها إلى نادي الوجهاء، وعلى إثرها انغمس في النعيم والرخاء، حتى صار الناس ينادونه بـ «شيخنا» أو «مولانا» أو «مشيخة».
وما يثير الدهشة حقـًا أنه اتخذ التقعر في الحديث والحكي سلاحـًا فتاكـًا لإجبار الناس على تقبل بلاغته المستحدثة حتى وإن تناقضت مع هيئته الذرية، فينحدر بلهجته إلى جزيرة العرب منسلخًا من تراثه وهويته التي نشأ عليها فبدلاً من أن يناديك ب «فلان» تجده يناديك «أبا فلان» وليس « أبو فلان» كأنه أستاذ لغة ضليع يشرح لطلابه حصة جديدة بالإضافة إلى عدائه للجيم القاهرية، فتجده يخرجها جيمًا متعطشة لا تمت له بأي صلة.
وما إن أخذ الدين ذريعة للاختلاف، حتى وجد جميع الناس على وتيرة واحدة ومنهج واحد، فإذ به يعتصم بمنهج بديل ليواصل شذوذه وتباينه ليشفي صدره المتخم بالشناءة والكراهية، فإن علم أنك مولع بعالم من العلماء، هبّ إليك كغبار التنور قائلا «لا تستمع لهذا العالم فقد كان يسرق البط في صغره»، وإن جادت السماء ببركاتها على العالمين لتكهن في أمر السماء، وإن اجتمع العباد على حدث جَليّ وحسموا فيه أمرهم لعارضهم حتى يقولوا « اسم الله عليه ده ملوش شبيه» وهو يضاهي إلى حدٍ كبير هؤلاء الذين يعتريهم الغرام الزائف بكل ما هو غربي، فتسمع أحدهم يقول « عمر خيرت مين أنا بحب فان بيتهوفن» وإذا تناهى إلى أذنه طرب مصري لقال « ما اسمعش غير مايكل جاكسون».