• القمة العربية وأمل الشعوب
بين حَنينِ الماضي وإرتباكِ الحاضر، تُطلُّ القِمَمُ العربية كـ “فجرٍ مُنتظَر”، تحمل في طَيّاتها نَسماتِ الأمل التي تَهبُطُ على صحراءِ الواقع المُتشظّي، فتَنْبتُ فيها زهورُ التَّوقِ إلى الكرامةِ والعدلِ والازدهار، وهُنا، حيثُ تَئِنُّ القلوبُ بأحلام الشُّعوب، وتَصرخُ الأوطانُ بِصوتٍ واحد: “نَحنُ جُزءٌ مِن حُلْمٍ أكبر.. فهل تَسمَعُنا القِمَّة؟”، فـ”الشعوبُ العربية”، التي رَسمتْ تاريخاً بحروف الذَّهبِ والنَّار، ولم تَعُد تَطلبُ سِوى أنْ تَكون حاضرةً في خِطاب السِّياسة، لا مُجرَّد رقْمٍ في مُعادلات المَصالح، وإنَّها تَرفعُ عَينَيها إلى قِمَّتِكم، وهي تُذكِّرُكم بأنَّ الأمل لَيس ترفا، بل هُوَ نَفسُ الهَواءِ الذي يَتنفَّسُه المَقهورُ قَبْلَ أنْ يَختَنِق، ومِن المَشرقِ إلى المَغرب تُناجيكُم دماءُ الشُّهداءِ وأحلامُ الشُّبّان وَدُموعُ الأمَّهات: “إجعلونا نَرى فيكُم وُجوهَ الحُلَماء، لا وَجوهَ الحُكّام”، إنَّها القِمَّةُ التي تَحمِلُ في جَعبتِها مِفتاحاً لِقُفولٍ عَتيق: قُفولِ الحُروبِ والجوعِ والخِلاف هَل تَستطيعونَ أنْ تَجعَلوا مِن طاولتِكم نُقطةَ التَّقاءٍ لا مَيدانَ تَصادُم؟، وأنْ تَحوِّلوا الوُثائق المُترابِطة إلى خُططٍ تَمشي على الأَرْض كَالنَّخيلِ، تُظلِّلُ المَساكينَ وتُثمِرُ لِلجِياع؟، هَل تَقدِرونًَ أنْ تَكونوا صِلةَ الوُصلِ بَين ماضٍ عَريقٍ وَمُستقبَلٍ يُنادينا بِصَوتِ التَّقدُّم؟.
والشعوب لا تَنتظر خُطَباً بَليغةً تَتَهادى مِنْ بَين جُدرانِ القاعات الفَاخِرة، بل تَنتظر فِعْلًا يَلمس جِراحَها، وَيُعيدُ لِلطِّفلِ في غزّةَ بِسمَتَه، وَلِلشابِّ في السّودانِ حَقَّهُ، وَلِلمَرأةِ في اليمنَ أمانَها، وإنَّها تُؤمِنُ بأنَّ الوَحدةَ لَيسَتْ شِعاراً يُرفَع، بَل هِي جِسرٌ مِنْ أَسَلٍّ وَعِزٍّ، يَحمِلُ أُمَّةً إلى بَرِّ الأمان، فـ «ليَكُن هَدفُ القِمَّة» وأن تَكون بِوصلةً تُشيرُ إلى إتِّجاه الشَّعب قَبل السُّلطة، وإلى صَوت الضَّمير قَبل المَصلحة، فَالعَربُ اليوم لَيسوا أَقل من أجدادِهم الذين أَسَّسوا الحَضارة حَرفاً حَرفاً، وهَلُمُّوا نُعيد كِتابَةَ التَّاريخ، لا بِحِبرِ الدِّماء، بَل بِماء الوَعْدِ الصَّادِق، واليوم؛ تَرفع الشعوب رَوحَها إليكُم كـ “نداءٍ أخير”، وإنْ كُنتُم تَملِكون قوَّة التَّغيير، فلا تُضيِّعوا وَقتاً فَكُلُّ دَقيقة تَمرُّ بِلا عَمَلٍ هي خَسارةٌ لِحياةٍ تَئِنُّ، وَحُلْمٍ يَنزفُ، ولِتكنْ قِمَّتُكُم مِحراباً لِلأملِ، وَمِنجَماً لِحُلولٍ تَلِدُها الإرادةُ، لا تُطفِئُها المَصالحُ، فالشعوبُ تَستحقُ أنْ تُصدِق أنَّ السَّماء العَربيةَ واحِدةٌ، وَأنَّ نُجومَها قادِرَةٌ أنْ تَهديَها إلى بَحرِ النَّصر،فهل أنتُم جاهِزونَ لِتكونوا “صانِعِي ذلكَ النَّصر؟”.
قمة الأفعال والبيان الختامي
بعد أنْ طُويتْ صفحاتُ القمّةِ العربيةِ، تبقى كلماتُ بيانِها الختاميِّ حولَ غزّة “نداءً إنسانياً يعلو فوقَ صليلِ السِّلاحِ وركامِ الدمار” إنه البيان الذي حمل في حروفِه عِطر الأملِ المُختنق تحت أنقاضِ البيوت المُهدَّمة، وصرخةَ الأطفالِ الذين صار الخوفُ لُغتَهم الوحيدة، ودعوةً ملحّةً لِكسرِ حصارِ الصمت الدوليِّ أمامَ مأساةٍ تُكتَبُ بدماء الأبرياء، ولقد جاءَ هذا البيانُ لِيَقول للعالم: إنَّ غزّةَ ليستْ رقماً في تقارير المُنظمات، ولا ساحةً لِتسوية الحسابات السياسية، بل هي، وقلبٌ ينبض بالحياة رغم الجراح، وشعبٌ يُعلّمُ الإنسانية معنى التَّحدي، ففي فقراتِ البيانِ، لم تكنْ خططُ إعادة الإعمار مجرد بنودٍ تقنيةٍ، بل كانتْ وَعداً بِإحياء الذّاكرةِ، وإعادةِ بناء الحُلم الفلسطينيِّ مِن تحت الرُّكام، إنه إعترافٌ بأنَّ الحجارة التي سقطتْ مِن بيوت غزّة ليستْ حجارةً عاديةً، بل هي شُهُودٌ على صمودٍ يُدوِّي في ضميرِ الأمّةِ،، ونَقرأ في البيانِ “بُعداً أخلاقياً” نادراً: فالقمّةُ لم تُعالجْ قضية غزّةَ كـ “ملفٍّ إغاثيٍّ”، بل كقضيةِ كرامةٍ عربيةٍ مُشتركةٍ.
ولقد وَضعتْ إعادة الإعمار في إطارٍ إنسانيٍّ وَاسعٍ: إعمار المدارسِ لِتُعيد الطفولة إلى مَلعبِها، وإعمار المُستشفياتِ لِتُنقذَ الأرواح لا لِتُراكم الجثث، وإعمار المساجدِ لِتُعيدَ للناسِ إيمانَهُم بأنَّ العدل قادمٌ، والبيانُ ذكَّر الجميع بأنَّ غزّةَ، رغم الحصارِ، هي بِوصلةُ العروبةِ، ومِحوَرُ نضالِها مِن أجل إنصاف مظلومٍ، ولكنَّ الأجمل في هذا البيان هو أنهُ لم يكتف بِشجب العدوان أو إدانة الإنتهاكات، بل حمل رُؤيةً إستباقيةً لِغدٍ أفضلَ، خططٌ تمويليةٌ، وَآلياتٌ لِمراقبة التنفيذِ، وَدعوةٌ لِحشد الدَّعم الدولي، وإنه إعلانٌ عربيٌّ موحَّدٌ بأنَّ إعمار غزّةَ ليس ترفاً، بل هو واجبٌ شرعي ووطني وَإنسانيٌّ أيضاً، وَأنَّ الحفاظَ على كرامةِ أهلِها جُزءٌ مِن حمايةِ كرامةِ كلِّ عربيٍّ ومسلم، فـ “تحيةً لِقادة القمّة” الذين كتبوا هذا البيانَ بِمداد الضميرِ، لكنَّ التحديَّ الأكبر يَكمُنُ في أنْ تتحوّل كلماتُة إلى فعلٍ يلمسُهُ أهالي غزّةَ في واقعِهم المُدمَّى، فالشعب الفلسطيني، الذي حوَّل الأنقاض إلى مدرسةٍ للصمود، يَستحقُّ أكثر مِن وَعدٍ، ويَستحقُّ أنْ يرىّ طوابير الشاحنات تحملُ موادَّ البناءِ بدل الدباباتِ، وأنْ يسمعَ صوت المُثقاب يَخترقُ الحجر بدل صوت القنابلِ.
واليوم: ينتظر العالم العربي والإسلامي بِأسره أن تكون هذه القمّة نقطة تحوّل، لا مُجرّد لقاءٍ عابرٍ، فـ”غزّة” تُذكّرنا كُلّ يومٍ: وإنَّ التاريخ لا يُكرّم المُتفرِّجين على المآسي، بل يُخلّدُ أولئك الذين وقفوا مع الحقِّ حتى حين تخلّى الجميع فلنكن أهلاً لهذا التحدي فـ”الأرواح التي سقطت تحت الأنقاض تُراقب” مجريات القمة اليوم، لذا؛ ندعوالقمة العربية التي ستنعقد اليوم “الثلاثاء” إلى إتخاذ موقف موحد لمواجهة مخططات تهجير الفلسطينيين، ووضع حد للغطرسة التي يتعامل بها صناع القرار الداعمين للإحتلال، والنظر بجدية وتمعن للإستهتار الأمريكي بالقانون الدولي والتصدي القوي والحاسم لغطرسة نتنياهو ومن يدعمه، التي تجعله ينقض على إتفاقية وقف إطلاق النارويتراجع عنتنفيذ بنودها، والآن وبالتزامن من عقد القمة العربية يعلنها “نتنياهو” أمام العالم بكل صَفاقة بوقف دخول جميع المساعدات لـ”غزة” والتي تعُد تصريح واضح وعلى الملأ بإرتكاب جريمة حرب تتوفر فيها النية التي أعلن عنها بآستخدام التجويع كسلاح حرب.
• رسالة لقادة القمة العربية
إلى قادة الأمة العربية المُجتمعين في القاهرة، إنَّ التاريخ يُسجّل اليوم إختباراً مصيريّاً لوحدتِكم وإرادتِكم، فما يُحاكُ ضد الشعب الفلسطيني من مُخطّطات تهجيرٍ وإستبدالٍ ديموغرافي ليس مجرد إنتهاكٍ للقانون الدولي، بل هو طعنةٌ في خاصرة القضية العربية الأقدس، وهذه القمّة الطارئة يجب أن تخرجَ بِـ”موقفٍ عربيٍ موحّدٍ” يرفضُ كافة أشكال التهجيرِ جملةً وتفصيلاً، ويُحوّل الرفض اللفظي إلى إجراءاتٍ ملموسة على أرض الواقع؛ من مقاطعةٍ سياسيةٍ وإقتصاديةٍ للداعمين لهذه المخطّطات، وإلى تفعيلِ المقترح العربيِ لإعادة إعمار غزة عبر صندوقٍ عاجلٍ تُموّله الدول العربيةُ، ليكون إعمارُ القطاع ردّاً عمليّاً على محاولات طمس الهوية الفلسطينية، ولا مكانَ للتَردُّد أو الحساباتِ الضيقة اليوم، فإمّا أن تَثبُتوا كـ”جدارٍ منيعٍ” ضدَّ سياسات التهجير، أو تُصبحوا شركاءَ في جريمةٍ لن يغفرَها لكم التاريخ، وغزةُ لم تسقطْ رغم الدمار، وعليكم أن تكونوا عندَ مستوىّ صمودِها، الإتحاد الآنَ ليس خياراً بل هو”واجبٌ لا يُغتفرُ التقصيرُ فيه.
وختاماً: أيها القادة الأجلاء المجتمعون اليوم على مائدةِ القمة،
إنَّ إستردادَ ثقة الشعوبِ العربية مرهونٌ بكلمات البيانِ الختاميِّ الذي ستُصدرونه، فالشعوبُ لم تعد تأبىّ للخطاباتِ الرنّانةَ، ولا تُجدي دموعُ التعاطفِ مع فلسطينَ إذا لم تترجمها قراراتٌ جريئةٌ تُوقِفُ نزيفَ التهجير، وتُعيدُ للعرب كرامتَهم المغدورة، وهذه القمة ليست لقاءً عابراً، بل هي “محكٌ تاريخيّ” سيسألُكم عنه الجيلُ القادمُ: هل كنتم جدار أمانٍ ضدَّ المخططاتِ الصهيونيةِ المدعومة من امريكا، أم مجردَ شهودِ على جريمةِ العصر؟ الشعوبُ تراقبُكم من خلف الشاشات، وتنتظرُ أن تروا في بيانِكم بصيص أملٍ يُثبتُ أنَّ “العروبةَ” ليست حبراً على ورق، بل إرادةً ترفضُ المذلة،
فإمَّا أن تخرجوا بـ”وثيقةٍ تُحرِّك الضميرَ العالميَّ”، وتُعلن رفض التهجيرِ، وتُجبرُ المجتمع الدوليَّ على الإعترافِ بحقوقِ الفلسطينيين، وإمَّا أن تُكرِّسوا صورةَ العجزِ التي لاحقتْ الجميع منذ النكبات الأولىّ ، والفرصةُ الأخيرةُ بين أيديكم: كلمةٌ واحدةٌ مُوحَّدةٌ قد تُنقذُ أكثر من مليون فلسطينيٍّ من التشريد، وقرارٌ جريءٌ بإعادة إعمار غزةَ قد يُعيدُ للأمةِ روحَها، وخطوةٌ نحو مقاطعةِ داعمي التهجيرِ قد تُعلنُ ميلاد زمنٍ عربيٍّ جديد.