حسين السمنودي
في زمن تاهت فيه البوصلة، وارتبك فيه الفهم بين الدين والتدين، خرج من بين الصفوف رجل صامت إذا تكلّم نطق حقًا، وإذا عمل صنع أثرًا، وإذا وعظ أنصت له القلب قبل الأذن. رجل لا يرفع صوته، لكن حضوره طاغٍ، وتأثيره ممتد، ومساره نقي كالنهر العذب. إنه فضيلة الشيخ خالد خضر، رئيس القطاع الديني بوزارة الأوقاف المصرية، الإنسان الذي تماهى مع رسالته حتى صار صورةً حية للدعوة كما أرادها القرآن.
من يقترب من الشيخ خالد لا يحتاج وقتًا طويلًا ليدرك أنه لا يمارس الدعوة كوظيفة، بل كأمانة مقدسة. عينه على الناس قبل المنبر، وأذنه مع أنين المجتمع قبل النصوص، وقلبه مفتوح للجميع، لا يعرف الإقصاء ولا التعالي، بل يعرف أن الداعية الحقيقي لا يحمل الناس على عاتقه ليُريهم الطريق، بل يسير بينهم ليضيئه.
هو شيخ الدعوة برائحة الطهر، لا يركض خلف الضوء، ولا يلهث خلف التصفيق، بل يركّز على فعل الخير بصمت العارف، ويعلم أن الكلمة التي لا تصل إلى القلب لا تستحق أن تُقال، وأن الموعظة لا تُؤخذ من الكتب وحدها، بل من التجارب، والدموع، ومواقف الناس في الحياة اليومية.
الإنسانية في فكر الشيخ خالد ليست ملحقًا في دفتر الدعوة، بل هي أصلٌ فيها. ترى ذلك في ابتسامته حين يتحدث إلى البسطاء، وفي حنوه على الأطفال، وفي تقديره العميق للمرأة في دعوة واعية تحترم عقلها، وتمنحها مكانتها كأم ومربية وعاملة وشريكة في الخير. وهو الذي آمن بضرورة تمكين الواعظات، ليس مجرد تمكين إداري، بل تمكين فكري ومعنوي، فتح لهن الأبواب، ووثق بقدرتهن، وحوّلهن إلى صوت رحيم يخاطب القلوب من قلب المجتمع.
ورغم جسامة المسؤولية وثقل التحديات، لم تفقد كلماته دفئها، ولم تفقد خطواته اتزانها. يتعامل مع الشباب كأب لا كمحاضر، يفهم اضطرابهم، يصبر على أسئلتهم، ويسير معهم في طريق الفهم لا طريق الفرض. لأن الشيخ خالد لا يقدّم الفتوى كقانونٍ صارم، بل كنبضٍ حيّ يتصل بالحياة، ويجمع بين فقه النص وروح الواقع.
ولأنه كذلك، فإن أثره لا يُقاس بعدد الخطب، بل بعدد القلوب التي استقرت، والبيوت التي تهدّجت فأعاد لها صوت العقل، والمجتمعات التي كادت أن تنزلق في فوضى الشعارات، فمدّ لها يده بالدعوة الرحيمة المتوازنة.
إن خالد خضر لا يسير في دربٍ ممهد، بل يشق طريقه وسط صخب المتناقضات، ثابتًا كجذر نخلة، نقيًا كقطرة وضوء. ولأنه آمن أن أعظم الدعوة ما كان بأخلاق الداعية لا بكثرة الجدال، صار هو الدعوة التي تُحتذى.
وفي عالم تسوده الضوضاء، تظل الدعوة في حاجة إلى أمثال الشيخ خالد خضر… لا ليملأوا الشاشات، بل ليملأوا القلوب يقينًا، وليعيدوا للناس صورة الشيخ كما أرادها الله: إنسانًا يحمل رحمة، وينشر حكمة، ويسير بين الناس بنور لا يطفئه شيء.