وسط ظلام الإبادة المستمرة في غزة، حيث تتوالى مشاهد الجوع والموت تحت أنظار العالم، تشرق بارقة أمل دبلوماسية جديدة من قلب أوروبا بـ”صاعقة مالطا”، ففي الوقت الذي بدأت فيه أصوات الاعتراف بفلسطين تعلو في عواصم أوروبية، تنكشف فضيحة مدوية أخرى تهز ضمير العالم: رئيس مؤسسة إنسانية أنشأتها إسرائيل لـ”إغاثة” غزة يستقيل، فاضحاً خدعة صهيو-أمريكية للسيطرة على المساعدات وتعميق الحصار، وهذا التناقض الصارخ يكشف زيف الادعاءات الإنسانية ويؤكد أن الإجرام يستمر بأشكال جديدة، مما يوجب على الضمير العالمي أن يستيقظ ويواجه الحقائق المرة دون مواربة أو تستر.
قناع “المساعدة” يسقط: استقالة تفضح المخطط
لم يكن إعلان مالطا الاعتراف بدولة فلسطين هو الصاعقة الوحيدة التي ضربت أوهام الاحتلال هذا الأسبوع، ففي حدث يكشف وجهاً آخر من وجوه التلاعب، استقال جيك وود، رئيس مؤسسة غزة الإنسانية، قبل ساعات من بدء عملها، مؤكداً “استحالة الالتزام بالمبادئ الإنسانية” فيها، وهذه الاستقالة لم تكن مجرد انسحاب فردي، بل كانت بمثابة صرخة مدوية تفضح برنامج مساعدات مزعوم، أنشأته إسرائيل للسيطرة على تدفق الإغاثة وتجاوز هيئات الأمم المتحدة، ولقد تبين أن هذه “المؤسسة” الجديدة، غير المختبرة، كانت مجرد قناع يخفي وراءه محاولة صهيو-أمريكية لفرض نظام خاص يخدم أهداف الاحتلال القذرة على حساب معاناة مليوني فلسطيني.
خيوط المؤامرة: من تل أبيب إلى وكالة المخابرات المركزية
كشفت تحقيقات إعلامية، أبرزها صحيفة نيويورك تايمز، أن فكرة “مؤسسة غزة الإنسانية” قد تم تصورها في أواخر عام 2023 أي بعد السابع من أكتوبر من قبل مسؤولين إسرائيليين وضباط عسكريين، وبشراكة مع قطاع الأعمال الإسرائيلي، الأدهى من ذلك أن المشروع تطور بالتعاون مع مقاولين أمنيين أمريكيين خاصين، بمن فيهم ضابط رفيع سابق في وكالة المخابرات المركزية CIA الهدف لم يكن إيصال الغذاء، بل تأمين وتوزيع المساعدات من مناطق خاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية، وإجبار المدنيين على السير عبر الخطوط العسكرية، مما قد يسرع من هدف إسرائيل في تشريد سكان غزة قسراً.
“صاعقة مالطا” وموجة الاعتراف الأوروبي
تتوالى الأصوات الأوروبية التي تصفع إسرائيل، مؤكدة أن عزلة الاحتلال تتجاوز مجرد الخطابة، ورئيس وزراء مالطا، روبرت أبيلا، أعلن عزم بلاده الاعتراف رسمياً بالدولة الفلسطينية الشهر المقبل، لينضم بذلك إلى إسبانيا والنرويج وأيرلندا، وإن هذه الموجة الدبلوماسية المتصاعدة تعكس تراجع شرعية نتنياهو الدولية، الذي فقد معظم أصدقائه في الغرب خارج الولايات المتحدة، وهذه التحركات الأوروبية ليست مجرد تنديدات واهية، بل هي إجراءات ملموسة كمراجعة اتفاقيات التجارة وفرض العقوبات، مما يؤكد أن المجتمع الدولي بدأ يفيق من سباته الطويل.
الحصار الممنهج: جريمة تُدعى” الهجرة الطوعية”
تواصل إسرائيل تنفيذ حصارها الممنهج على الغذاء والوقود والمياه في غزة، متسببة في مجاعة تلوح في الأفق منذ أشهر، والأدهى أن نتنياهو يقاتل من أجل تنفيذ “جريمة حرب ضخمة” تحت مسمى “الهجرة الطوعية”، التي تعني في حقيقتها النزوح الجماعي القسري لمليوني فلسطيني من غزة، هذه الخطة، التي تنطوي على تسوية القطاع بالكامل، ستعزل إسرائيل دولياً بشكل غير مسبوق وتضعها في مواجهة مباشرة مع ضمير العالم، الذي بدأ يفيق على حجم الكارثة ويدرك أبعاد النية الحقيقية للاحتلال.
نداء الضمير: أين سند العرب والمسلمين؟
بينما يتغير العالم بشأن إسرائيل، ويرتفع صوت الإدانة الدولية لما تقوم به من إبادة جماعية وجريمة تجويع ممنهجة، وتستعد دول أوروبية لفرض عقوبات قاسية على الاحتلال، تتساءل الشعوب بمرارة: أين سند الأغلبية العظمى من الدول العربية والإسلامية؟ أين موقف يليق بـ 52 دولة يفترض بها أن تساند من يواجه التحديات؟ لم تعد هناك أي حجج تبرر هذا الصمت المريب، أو التفرج على المأساة التي تئن تحت وطأتها غزة، فالعالم بأسره يقولها الآن بصوت عالٍ، ما يحدث هو إبادة، أين نحن من هذا التغير؟ وفي أي جانب من التاريخ سنكون؟.
وفي ختام مقالي هذا، الذي يكشف زيف الأقنعة ويفضح بشاعة الجرائم، أؤكد أن صرخة غزة لن تخفت، وإن استقالة رئيس “مؤسسة غزة الإنسانية” وفضح تلاعب الاحتلال بالمساعدات، بالتوازي مع “صاعقة مالطا” وموجة الاعتراف الأوروبي، كلها دلائل دامغة على أن الكذب لن يستمر. دماء الأبرياء في غزة، والمجازر اليومية، والتجويع الممنهج، هي حقائق لا يمكن طمسها أو تبريرها، آن الأوان لأن يتحرك الضمير العربي والإسلامي ليقدم سنداً يليق بعظمة الأمة، لا أن يكتفي بالتفرج، فالتاريخ لن يرحم المتخاذلين، ولن يغفر لمن صمت وتواطأ أمام هذه الإبادة الجماعية.