عبدالرحيم عبدالباري
دروس مستفاده من حملة وزارة الصحة … “علاج الإدمان بين مطرقة الحاجة وسندان الفوضى: حين يتحول الأمل إلى خطر”

في زمن تتعالى فيه أصوات الأمل لعلاج الإدمان وإنقاذ الأرواح، تظهر على السطح ظواهر خطيرة تهدد حياة المرضى وتعبث بثقة المجتمع في المؤسسات العلاجية. إعلان وزارة الصحة والسكان عن إغلاق 10 مراكز غير مرخصة لعلاج الإدمان بمنطقة حدائق الأهرام يكشف جانبًا مظلمًا من مشهد يُفترض أن يكون إنسانيًا واحترافيًا. في هذا المقال نحلل القضية من جوانب متعددة: صحية، قانونية، اجتماعية، ونفسية، ونطرح تساؤلات حول دور الجهات المعنية والمجتمع في وقف هذا النزيف السري.
فوضى العلاج النفسي والإدمان… خطر يهدد الأرواح
تحول بعض مراكز علاج الإدمان إلى ما يشبه “مصائد الموت” هو واقع مؤلم يعكس غياب الرقابة والضمير المهني. فالعلاج الذي يجب أن يكون مخصصًا لإنقاذ الأرواح تحول في هذه المراكز إلى تجارة مربحة تستغل ضعف المرضى وقلق ذويهم. المراكز العشرة التي أُغلقت مؤخرًا لم تكن تملك ترخيصًا ولا تطبق أدنى معايير السلامة أو الرعاية النفسية. ومع تراكم الحالات وسوء إدارة هذه الأماكن، يتحول الأمل في التعافي إلى معاناة مضاعفة قد تنتهي بوفاة المريض أو انتكاسه بشكل أسوأ.
أدوار رقابية تتقدم بخطى حازمة
تكشف الحملة الأخيرة عن يقظة فعلية من قبل وزارة الصحة بالتعاون مع وزارة الداخلية وجهات مختصة أخرى، مما يشير إلى تحرك فعلي لحماية المجتمع من المؤسسات غير الشرعية. لا تقتصر المسؤولية هنا على إغلاق المراكز المخالفة فقط، بل تشمل ضبط الأداء العام وتحقيق الردع القانوني لمخالفات لا تقل خطرًا عن الجريمة المنظمة. هذه الحملة تأتي في وقت تزايد فيه الطلب على خدمات العلاج النفسي والإدمان، مما يجعل الحاجة ملحة لإنشاء نظام رقابي أكثر استدامة وشمولًا.
غياب التراخيص… تهديد مزدوج للصحة والقانون
التحقيقات كشفت أن المراكز أُديرت دون تراخيص وبما يخالف القانون رقم 153 لسنة 2004 وقانون الصحة النفسية رقم 71 لسنة 2009، مما يعكس استهانة واضحة باللوائح المنظمة. وأوضح د. هشام زكي، رئيس الإدارة المركزية للمؤسسات العلاجية غير الحكومية والتراخيص، أن هذه المراكز لم تحصل على الموافقة الرسمية من الصحة النفسية، كما أنها تفتقر إلى أدنى معايير الترخيص. غياب التراخيص لا يعني فقط أن المنشأة غير قانونية، بل يؤكد أن القائمين عليها لا يمتلكون الحد الأدنى من الخبرة أو الالتزام المهني، مما يجعل حياة المرضى في خطر دائم.
التسويق الخادع للمراكز… حين تُباع الأوهام
معظم هذه المراكز تعتمد على تسويق خادع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تُظهر فيها نفسها كملاجئ إنسانية، في حين أنها مجرد واجهات تجارية لا تحمل من الطب إلا اسمه. وقد أشار د. هشام زكي إلى أن العديد من هذه المنشآت تُدار من قبل أفراد غير مؤهلين، وتفتقر إلى سياسات مكافحة العدوى والتخلص الآمن من النفايات، وهو ما يمثل تهديدًا مزدوجًا للصحة العامة وسلامة البيئة. لذلك فإن دور الجهات الرقابية في تتبع هذه الممارسات بات أكثر من ضروري في ظل هذا التسويق المضلل.
أهمية الوعي المجتمعي في مكافحة الفوضى العلاجية
لا يمكن أن تتحمل الحكومة وحدها عبء مواجهة المراكز المخالفة. فوعي المواطنين، خاصة أهالي المرضى، يمثل خط الدفاع الأول ضد هذه المؤسسات. من الضروري أن يتعلم المجتمع كيفية التحقق من التراخيص والاعتماد على الجهات الرسمية للحصول على معلومات دقيقة. كما يجب دعم المنصات التي تتيح بيانات شفافة عن المراكز المعتمدة، مع تعزيز دور الجمعيات الأهلية والإعلام في توعية المجتمع بمخاطر التعامل مع كيانات غير مرخصة.
الطريق نحو إصلاح منظومة علاج الإدمان
إغلاق المراكز المخالفة خطوة أولى على طريق طويل نحو إصلاح شامل يتطلب بنية تحتية قوية، تشريعات صارمة، واستثمارًا جادًا في التدريب والتأهيل. من المهم أن تتحول مراكز علاج الإدمان إلى مؤسسات تُدار علميًا واحترافيًا، تستند إلى منهجيات نفسية وطبية معترف بها عالميًا. كما يجب فتح الباب أمام شراكات بين القطاعين العام والخاص لإنشاء مراكز معتمدة تغطي الاحتياجات المتزايدة للمجتمع، مع تشديد الرقابة وضمان جودة الخدمة.
في معركة علاج الإدمان، لا يكفي فقط إغلاق الأبواب غير الشرعية، بل يجب فتح أبواب الأمل الحقيقية بعلم ورقابة ومسؤولية. الحملة التي أعلنت عنها وزارة الصحة تمثل بداية حقيقية نحو تنظيم قطاع بالغ الأهمية، لكن استمرار الجهود هو ما يصنع الفارق. علينا جميعًا، مواطنين ومؤسسات، أن نتشارك المسؤولية في بناء بيئة علاجية آمنة تحفظ الكرامة الإنسانية وتمنح المرضى فرصًا حقيقية للتعافي.