كتب صلاح طبانه
في زمن أصبحت فيه التكنولوجيا تسرق اهتمام الأطفال، يطل علينا نموذج استثنائي يُعيد للأذهان قيمة العلم والمعرفة، طفل لم يتجاوز العاشرة من عمره، لكنه اختار أن يكون صديقه المفضل هو التاريخ، وشغفه الأول هو الحضارة المصرية القديمة. إنه محمد تامر، أو كما أُطلق عليه بحق “الأثري الصغير”.
منذ نعومة أظافره، أظهر محمد ميولًا مختلفة عن أقرانه؛ حيث وجد في التماثيل والبرديات والنقوش الفرعونية عالمًا ساحرًا يخاطب وجدانه. لم تكن هذه مجرد هواية عابرة، بل شغف متجذّر دفعه إلى التعمق في قراءة كتب التاريخ، ومتابعة البرامج الوثائقية، وزيارة المواقع الأثرية بعيون الباحث الشغوف، لا السائح العابر.
وقد لفت هذا الشغف المبكر أنظار السيدة نرمين عاطف، مديرة الوعي الأثري بوزارة السياحة والآثار، أثناء إحدى الجولات الميدانية بمحافظة الفيوم، حيث برز محمد بأسئلته الدقيقة وتعليقاته الواعية. حينها لم تتردد في منحه لقب “الأثري الصغير”، تقديرًا لإدراكه المبكر وولعه النادر بعلم الآثار.
لكن تميز محمد لم يتوقف عند المعرفة، بل امتد إلى مشاركة هذا الحب مع أقرانه، حيث يشرح لهم قصص الفراعنة وأسرار المقابر والمعابد بلغة بسيطة ومحببة. بل وبدأ بالفعل في المشاركة ببعض الفعاليات الثقافية، مؤكدًا أن العلم لا عمر له، وأن الأحلام الكبيرة تبدأ بخطوات صغيرة.
يحلم محمد أن يصبح في المستقبل عالم آثار يُسهم في كشف أسرار الحضارة المصرية، وأن يحمل راية مجد أجداده إلى العالم. حلم يبدو كبيرًا، لكنه أقرب إلى التحقق طالما امتلك صاحبه هذا الإصرار، وهذا العشق النقي لبلاده وتاريخها.
قصة محمد تامر تذكير جميل بأن داخل كل طفل قد يسكن عالم، وأن كل موهبة تستحق أن تجد من يرعاها ويؤمن بها. ومن يدري؟ ربما نقرأ يومًا عن اكتشاف أثري عظيم يحمل توقيع “محمد تامر – الأثري الكبير”.