عبدالرحيم عبدالباري
“نبض الإنسانية بين ضفّتي النيل والخليج: مشروع الأمل لمرضى الكلى السودانيين في مصر”
في زمن تُختبر فيه القيم والمبادئ أمام قسوة الأزمات، تُثبت مصر والمملكة العربية السعودية بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية أن التضامن العربي لا يزال ينبض بالحياة. في مشهد إنساني يفيض بالمعاني، أُطلق مشروع رائد لعلاج مرضى القصور الكلوي من السودانيين المقيمين في مصر، ليصبح نموذجًا يُحتذى به في التكافل الصحي الإقليمي، ورسالة عابرة للحدود بأن الإنسان أولًا، مهما كانت جنسيته أو خلفيته.
لم تكن مبادرة علاج مرضى القصور الكلوي من السودانيين المقيمين في مصر مجرّد مشروع صحي، بل هي تجسيد عملي لمعنى “العروبة في الميدان”. فقد أعلنت مصر، بالتعاون مع مركز الملك سلمان للإغاثة ومنظمة الصحة العالمية، عن إطلاق مشروع يقدم ما يزيد عن 90 ألف جلسة غسيل كلوي سنويًا، في وقت تعاني فيه السودان من انهيار شبه تام في منظومتها الصحية. هذا المشروع يُمثل نقطة تحول في كيفية إدارة الأزمات من منظور صحي وإنساني على حد سواء.
أكد الدكتور خالد عبدالغفار أن مصر لم تكن يومًا حاضنة لجغرافيتها فقط، بل حاضنة للإنسان العربي بأسره. وفي كلماته التي حملت دفئًا مصريًا خالصًا، قال إن الدولة لا تفرّق بين مواطنيها واللاجئين، وإن الضيوف يعاملون كأبناء في كل مرفق صحي وتعليمي. هذه ليست مجرد تصريحات، بل سياسة متجذّرة في ضمير مصر التاريخي، التي ما فتئت تُعرف بـ”أم الدنيا” لما تحمله من قدرة على الاحتضان والتضامن في أوقات المحن.
هذه المبادرة لم تكن ممكنة لولا شراكة ثلاثية راسخة بين مصر والمملكة العربية السعودية ومنظمة الصحة العالمية، مدعومة بروح عربية صافية. السفير السوداني في القاهرة وصف المبادرة بأنها “رسالة حب من الأشقاء”، وأشاد بدور جامعة الدول العربية في ربط خيوط التعاون، ليكون هذا المشروع دليلاً على أن الدبلوماسية لم تعد مقصورة على القاعات المغلقة، بل باتت تبدأ من غرف العلاج ومراكز الغسيل الكلوي.
من خلال مركز الملك سلمان للإغاثة، تواصل المملكة ترسيخ مكانتها كأكبر داعم إنساني في العالم العربي، حيث أكد ممثلو المركز أن المملكة خصصت أكثر من 165 مليون دولار لدعم السودانيين فقط منذ اندلاع الأزمة. هذه الأرقام لا تُعد مجرد مؤشرات مالية، بل دلائل على التزام طويل الأمد برؤية إنسانية لا تعرف حدودًا، ومساهمة فعالة في علاج واحدة من أكثر الفئات تضررًا في الأزمات: مرضى القصور الكلوي.
حذر ممثلو منظمة الصحة العالمية من أن مرض القصور الكلوي سيصبح خامس سبب رئيسي للوفيات في العالم بحلول عام 2050. وهو ما يُظهر أهمية هذه المبادرة التي تجمع بين الاستجابة الفورية والتخطيط الاستراتيجي طويل الأمد. المنظمة لم تكتف بالمشاركة الشكلية، بل شاركت بخبراتها ومؤسساتها وأكدت أن ما يحدث في مصر حاليًا يمكن أن يُنقل كنموذج عالمي في حالات الطوارئ.
تستضيف مصر ما يزيد عن 10 ملايين لاجئ ومهاجر، بينهم أكثر من 1.5 مليون سوداني، يحصلون على نفس مستوى الرعاية الصحية التي يحصل عليها المواطن المصري. وقد أشار مسؤولو الصحة إلى أن هذه الأرقام ليست عبئًا، بل مسؤولية قومية وإنسانية. وهذا ما يبرهن على قدرة النظام الصحي المصري على التوسع والتكيّف مع المتغيرات، مدعومًا بموارد وتخطيط استراتيجي.
بجانب هذا المشروع، لا يمكن إغفال الدور البطولي للهلال الأحمر المصري الذي يواصل استقبال جرحى ومرضى غزة، في واحدة من أكثر المهام تعقيدًا وألمًا. إن الجهد الذي يبذله المتطوعون والعاملون في هذا القطاع يجعل من مصر ليس فقط مركزًا للعلاج، بل منارة للإنسانية المتفانية، في وقت باتت فيه الإنسانية عملة نادرة في عالم مضطرب.
ما بين غرف الغسيل الكلوي، ومراكز الرعاية، وأروقة الدبلوماسية، وميادين العمل الإنساني، يتشكل مشهد عربي نادر، يُظهر أن الأمل لا يزال ممكنًا حين تتوحد النوايا. مشروع دعم مرضى الكلى السودانيين في مصر هو أكثر من علاج؛ إنه تعبير صادق عن ضمير الأمة حين ينبض بإنسانية لا تتأثر بالخرائط أو المصالح، بل تنحاز فقط للحياة.
في زمن ينهار فيه الكثير من الجسور بين الدول، تُشيّد مصر والسعودية ومنظمة الصحة العالمية جسرًا جديدًا من الرحمة والتكافل، ليس فقط لخدمة مرضى الكلى من السودانيين، بل لإعادة رسم خريطة جديدة للتعاون الإنساني العربي. مشروع الأمل ليس نهاية، بل بداية لرؤية عربية أكثر احتواءً، وأكثر دفئًا، وأكثر إنصافًا لكرامة الإنسان العربي أينما كان