تخطي إلى المحتوى

بوابة الغد

  • الرئيسية
  • الاقسام
    • اخبار مصر
    • اخبار الرياضة
    • اخبار الاقتصاد
    • مدارس وجامعات
    • اخبار الصحة
    • علوم وتكنولوجيا
    • اخبار المحافظات والمحليات
    • مقالات
    • اخبار الفن والثقافة
    • راديو وتليفزيون
    • اخبار الحوادث والقضايا
    • اخبار عالمية
    • اخبار عربية
    • الأزهر الشريف
    • المرأة والأسرة
    • تقارير وتحقيقات
    • حزب الغد
  • من نحن؟
  • اتصل بنا
  • الرئيسية
  • حسين السمنودى يكتب: رحيلهن بصمت… وبقيت “بحبك يا بابا” تئن تحت التراب

حسين السمنودى يكتب: رحيلهن بصمت… وبقيت “بحبك يا بابا” تئن تحت التراب

إبراهيم مجدي 1 يوليو، 2025

 

 

حسين السمنودي

 

“بحبك يا بابا”… كانت تلك الكلمة آخر ما نطقت به طفلة خرجت صباحًا إلى الشارع تبحث عن لقمة عيش ترد بها رمقها، وتعين بها أهلها على حياة لم تعرف من الرحمة شيئًا. لم تكن تعلم أن الدنيا ستخطفها سريعًا، ولن تعود إلى حضن أبيها ثانية. كانت تبتسم وهي تلوّح له، لكن الشوارع لا تعترف بابتسامة الأطفال، والعربات المسرعة لا تبطئ أمام قلوبٍ صغيرة تمشي على الأرض.

 

في مصر، هناك آلاف الفتيات ممن سلبتهن الحياة حق الطفولة، ودفعت بهن إلى معارك الكبار قبل أوانهن. يحملن فوق أكتافهن الصغيرة همومًا ثقيلة، ويتجولن في الأسواق، والمزارع، والمخابز، والمصانع، وأعينهن تقول ما لم تقدر الكلمات على قوله: نحن فتيات لقمة العيش. لا أحلام لنا تُكتب، ولا دفاتر لنا تُوزّع، ولا مستقبل لنا يُرسم على خرائط الأمل.

 

واحدة تبيع المناديل عند إشارات المرور، تهرب من نظرات السيارات كأنها شبح، تخاف من الشرطة ومن الزبائن ومن الليل. أخرى تسير في الطريق الزراعي مع أخريات متجهات إلى الأراضي لجني المحاصيل. لا تعرف أن السيارة المسرعة التي ستنقلب بهن بعد ساعة، ستمزق أجسادهن وتعلق أسماءهن على جدران الحزن. وثالثة تخرج في الصباح لجلب الرغيف لأمها المريضة، فلا تعود، لأن سائق التوك توك لم ينتبه، أو لأن القدر أبى أن تكتمل قصتها.

 

أي ألم يسكن صدر الأب حين يسمع الخبر؟ أي وجع أكبر من أن يحمل ابنته وهي جثة هامدة، ملفوفة في قماش أبيض، بعدما كانت بالأمس تركض إليه لتأخذ مصروفها وتُقبّله قائلة “بحبك يا بابا”؟ كم من الآباء تمنوا لو أنهم ماتوا بدلًا من بناتهم، لكن الفقر يا سيدي لا يعرف الرحمة، يسلبك قوتك، كرامتك، وأعز ما تملك دون أن ينتبه أحد.

 

المأساة ليست فقط في موتهن، بل في صمتنا جميعًا. كم من مرة رأينا فتاة تعمل في ظروف مهينة وسكتنا؟ كم من مرة مررنا بجوار طفلة تمسح الزجاج الأمامي لسيارة فارهة دون أن نسأل أنفسنا: أين أهلها؟ من يحميها؟ من يقسو عليها؟ لقد اعتدنا على مشاهدتهن، حتى صار وجودهن في الشوارع أمرًا عاديًا، وكأننا تبلّدنا، وكأننا فقدنا إنسانيتنا.

 

تلك الفتيات لا يظهرن في نشرات الأخبار، لا تُخصص لهن أفلام أو تقارير، لا تقام لهن جنازات رسمية، ولا يحمل صورهن أحد. فقط تكتب أسماؤهن على حجر صغير في مقبرة الفقراء، ثم تُنسى. لكن الله لا ينسى. تلك الطفلة التي ماتت وهي تمسك بيد والدها، وتقول له: “هشتغل شوية بس عشان أشتريلك دواء”، ثم عادت إليه على نقالة، ملفوفة بدمها، باقية في ذاكرة الوجع المصري.

 

ورغم كل شيء، ما زالت القصص تتكرر. كل يوم تخرج فتيات أخريات، يحملن حقائب صغيرة أو أكياس بلاستيك، ويبدأن رحلة الصراع. بعضهن لن تعود. بعضهن ستعود محملة بالآهات، مجروحة في جسدها أو روحها، من قسوة العمل أو لؤم البشر أو استغلال الذئاب. ومع ذلك، لا قوانين تردع، ولا مؤسسات تحمي، ولا ضمير يستيقظ.

 

ولأننا نعيش في وطنٍ لا يحاسب، ولا يتوقف ليمسح دمعة، ولا يراجع نفسه بعد الكارثة، تظل المأساة مفتوحة على مصراعيها. لا أحد يسأل لماذا تعمل الطفلة؟ لماذا تموت وهي تسعى لرغيف؟ لماذا لم نمد لها يدًا قبل أن يسحبها التيار؟

 

وفي الخاتمة، لا أملك إلا أن أكتب بمدادٍ من دم وألم، لأن الكلمات لم تعد تكفي، ولأن الحروف نفسها تنزف كلما تذكرت تلك الوجوه الصغيرة التي غابت. كل قطرة دم سالت من جسد طفلة فقيرة، هي طعنة في قلب أمة، وخطيئة في عنق كل ساكت. كل صرخة أم عند القبر، كل تنهيدة أب وهو يمسح على رأس طفلته الأخرى ويقول “ربنا يستر”، هي سطر جديد في ملحمة العار.

 

أيتها الصغيرة، عذرًا… لم نحملك كما ينبغي، ولم نحمك من الطرق، ولا من الجوع، ولا من الموت. سامحينا، نحن مجتمع يُلقي بزهوره في القمامة، ويقف ليبكي بعد فوات الأوان. سامحينا، فنحن من فرّطنا فيك، وتركونا نردد خلفك بصوت منكسر: “بحبك يا بابا”… الكلمة التي قتلتنا بعدها ألف مرة، لأنها كانت آخر ما قلته، وبقيت تئن تحت التراب، ولم يجبك أحد.

تصفّح المقالات

السابق رسميا.. ميدو يرحل عن لجنة التخطيط بالزمالك.
التالي وزير التموين يشارك في افتتاح مؤتمر “Global Grain MENA” ويؤكد: مصر مركز إقليمي محوري في تجارة الحبوب والأمن الغذائي
ُElghad | DarkNews بواسطة AF themes.