عبدالرحيم عبدالباري
“جراح لا تُرى: حين تُسعف القلوب قبل الأجساد” … الصحه النفسيه تزور مصابات الطريق الإقليمي

في لحظات الألم والفقد، لا تنزف الجراح من الجسد وحده، بل تمتد إلى النفس، تئن وتغيب وسط صرخات الحزن والصدمة. وبينما تُوجَّه الأنظار نحو العلاج البدني، هناك من اختار أن يحمل الشعلة في طريق آخر، أكثر هدوءًا لكنه لا يقل أهمية. إنه طريق الدعم النفسي، الذي سارت فيه الإدارة المركزية للامانه العامه للصحة النفسية وعلاج الإدمان برئاسة الدكتورة وسام أبو الفتوح، لتُضمد جراح الأرواح قبل الأبدان، في استجابة سريعة تنم عن وعي وطني وإنساني عميق.
في أعقاب الحوادث والكوارث، لا تقتصر الاستجابة الفعالة على سيارات الإسعاف والمستشفيات، بل تشمل أيضًا فرق الدعم النفسي المتخصصة، التي تسعى لفهم ما لا يُقال، وتضميد ما لا يُرى. وهذا ما جسّدته الإدارة المركزية للأمانة العامة للصحة النفسية، حين أوفدت فريقً مستشفى الصحه النفسيه وعلاج الإدمان بشبين الكوم الى أسر الضحايا والمصابات. هذه المبادرة لم تكن مجرد رد فعل، بل تجسيد لرؤية مؤسسية تؤمن بأن الاستقرار النفسي جزء لا يتجزأ من منظومة التعافي الكامل، بل هو حجر الزاوية في الوقوف من جديد.

حملت فرق الدعم النفسي رسائل طمأنينة واحتواء، وسط مشاعر مختلطة من الصدمة والفقد والقلق، للمصابين وذويهم والذي أصيب في حادث الطريق يوم الجمعه الماضي، وراح ضحيته ١٩ فتاه، وأصيب عدد اخر، لم تكن زياراتهم مجرّد واجب وظيفي، بل لقاء إنساني عميق، يتّسم بالإنصات للآهات الصامتة، والوقوف إلى جانب أسر تألمت في صمت. ركّزت الجلسات النفسية على تقنيات التدخل السريع، وإدارة الصدمة، وتهيئة الأهل لتجاوز المحنة دون مضاعفات نفسية مزمنة. ويأتي هذا الدور متسقًا مع رؤية الأمانة العامة في ترسيخ مفهوم الصحة النفسية كحق أصيل لكل مواطن، خاصة في أوقات الأزمات.
الدكتورة وسام أبو الفتوح، رئيس الاداره المركزيه للأمانة العامة للصحة النفسية، تقود هذه الجهود بخطى واثقة، واضعة نصب عينيها أن الدعم النفسي ليس رفاهية بل ضرورة وطنية. وتُعَدّ استجابة الأمانة مثالًا يُحتذى به في سرعة التنسيق الميداني، والتعامل مع الأزمات النفسية بشفافية ومهنية، وبمتابعة دقيقة لحالة المصابات وأهالي الضحايا، تبرهن المؤسسة أنها لا تكتفي بتقديم العلاج، بل تعمل على بناء منظومة دعم مستدامة، تُخفف الألم وتُعيد التوازن النفسي للمجتمع.

إن هذه المبادرات تكشف عن تطور نوعي في فهم مفهوم الرعاية الصحية الشاملة، والتي لا تقتصر على الشفاء الجسدي، بل تمتد لعلاج ما يُخلفه الألم من آثار في عمق الروح. وقد تكون الكلمة، أو لحظة إنصات، أو نظرة تعاطف، هي بداية الشفاء الحقيقي. وفي ظل هذه الجهود، يصبح من الضروري أن تتوسع دوائر الوعي المجتمعي بأهمية الدعم النفسي، ليصبح جزءًا لا يتجزأ من استجابتنا الجماعية لأي أزمة. فالصحة النفسية ليست ترفًا، بل أولوية، وركيزة من ركائز الأمن المجتمعي.
في زمن تتسارع فيه الأزمات، يبرز دور المؤسسات التي لا تُغفل الجانب الإنساني، وتعمل على لملمة شتات الأرواح قبل الأجساد. لقد قدّمت الاداره المركزيه للأمانة العامة للصحة النفسية بقيادة الدكتورة وسام أبو الفتوح نموذجًا ملهمًا في العمل الميداني المتكامل، حيث تتجسد الرحمة في فعل، والعلم في ميدان، والمواساة في موقف. ووسط الألم، يبقى الأمل ماثلًا، حين نعلم أن هناك من يسهر ليخفف عنّا جراحًا لا تُرى… ولكنها تُشفى.