في عالم يموج بالتناقضات الصارخة، حيث تُبث مشاهد الإبادة والتجويع في غزة على الهواء مباشرة أمام مرأى ومسمع الجميع، يبقى السؤال المؤلم معلقًا: لماذا يصمت العالم؟ رغم صيحات المنظمات الحقوقية، ونداءات خبراء الأمم المتحدة، والتظاهرات التي تملأ شوارع مدن العالم، تستمر آلة الحرب الإسرائيلية، مدعومة بالسلاح الغربي، في حصد الأرواح، واليوم، تأتي الحقائق من قلب الأمم المتحدة لتُلقي الضوء على وجه آخر لهذه المأساة: وجه الربح والتواطؤ المؤسسي، في تقرير صاعق يفتح أبوابًا لم تكن لتُفتح.
أرباح الإبادة.. الوجه الخفي للاحتلال
تقرير المقررة الخاصة للأمم المتحدة، فرانشيسكا ألبانيز، كشف النقاب عن حقيقة صادمة: “الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل ضد الفلسطينيين مدعومة بنظام احتلال استغلالي ومربح”، ولقد أظهرت ألبانيز كيف أن المكاسب المالية الهائلة أضفت شرعية على الوجود الإسرائيلي غير القانوني وأنشطته، فبينما كانت حياة الفلسطينيين تدمر، ارتفعت بورصة تل أبيب بنسبة 213%، محققة مليارات الدولارات، وهذه الأرقام المخيفة تؤكد أن الإبادة ليست مجرد عمل عسكري، بل هي صناعة مربحة للبعض.
شركات عالمية.. شركاء في الجريمة
لقد تجاوز التقرير مجرد الإدانة ليشير بأصبع الاتهام إلى أكثر من 60 شركة عالمية، بما في ذلك عمالقة تصنيع الأسلحة والتكنولوجيا والمال والبناء والطاقة، وهذه الكيانات، رغم معرفتها بانتهاكات حقوق الإنسان والجرائم الدولية المستمرة منذ عقود، تعاملت مع مشروع الاحتلال كنشاط اقتصادي عادي، متجاهلةً الفظائع المتصاعدة، ولقد زودت هذه الشركات الاحتلال بطائرات F-35 وطائرات بدون طيار وتقنيات استهداف مكّنت من إلقاء 85 ألف طن من القنابل على غزة، محولةً إياها إلى أنقاض.
تكنولوجيا الحرب.. البيانات الفلسطينية وقود للإبادة
التقرير لم يغفل الجانب التكنولوجي المظلم، مشيرًا إلى عمالقة التكنولوجيا الذين أنشأوا مراكز بحث وتطوير ومراكز بيانات في إسرائيل، مستخدمين البيانات الفلسطينية لتغذية “حرب الذكاء الاصطناعي”، وهذا يُغذي ما تصفه ألبانيز بـ”الإبادة الجماعية المباشرة”، وحتى الجهات التي تبدو محايدة، كالمواقع السياحية ومحلات السوبر ماركت والجامعات، تُساهم في تطبيع الفصل العنصري والمحو المنهجي للحياة الفلسطينية، فالتكنولوجيا التي كان يُفترض أن تخدم البشرية، تحولت إلى أداة لترسيخ الظلم والسيطرة.
فشل عالمي.. غياب المساءلة الدولية
يؤكد تقرير ألبانيز على الفشل الذريع للأنظمة التجارية والقانونية الدولية في دعم أبسط حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني، ورغم أحكام محكمة العدل الدولية وأوامر الاعتقال من المحكمة الجنائية الدولية، تستمر الشركات في تجاهل مسؤولياتها القانونية الأساسية، والمقررة الخاصة حثت الدول الأعضاء على فرض حظر كامل على الأسلحة، وتعليق اتفاقيات التجارة، ومساءلة الكيانات المؤسسية، “الشركات لا يمكنها المطالبة بالحياد: فهي إما جزء من آلية النزوح – أو جزء من تفكيكها”.
فلسطين.. مرآة تكشف عار العالم
ختامًا، فلسطين اليوم ليست مجرد أرض محتلة، بل هي مرآة تعكس الإخفاقات الأخلاقية والسياسية لعالم يدّعي الإنسانية والديمقراطية، بينما تتصاعد ألسنة النيران في غزة، وتتزايد أعداد الضحايا من الأطفال والنساء بالسلاح الغربي، يقف العالم صامتًا، عاجزًا أمام دولة مارقة كأمريكا وكيان نازي صهيوني يتجاوز كل الخطوط الحمراء، ولقد دُمر مجلس الأمن والنظام العالمي فقد صلاحياته أمام أعيننا، وإن إنهاء هذه الإبادة لا يتطلب الغضب فحسب، بل الشجاعة لتفكيك هذا النظام الذي يُحوّل الظلم إلى أرباح، قبل أن يأتي اليوم الذي يُحاسب فيه الجميع عن صمتهم وتواطؤهم.