تصوَّر أنك تعيش في غرفة تُغيّر لون جدارها كل ثانية، بينما الأرض تهتز تحت قدميك.. هذا بالضبط ما يشعر به إنسان العصر الحديث في عالم اللايقين، حيث لم تعد هناك حقائق ثابتة، ولا مستقبل يمكن التنبؤ به.لكننا، بدلًا من التعايش مع هذا الغموض، اخترنا أن نلقي بأنفسنا في أحضان الترندات كمنقذ وهمي.. نلهث خلف الإعجابات والمشاركات وكأنها مسكّنات رقمية تخدّرنا عن سؤالنا الأكبر: لماذا نرفض أن نعيش دون يقين؟
في هذا المقال، سنكشف كيف تحوّلت منصات السوشيال ميديا إلى “مضخّات دوبامين” تستغل حاجتنا النفسية للطمأنينة، حتى لو كانت مزيفة.. وكيف تحولنا لقضاه اللايقين ؟ وكيف يمكننا التعامل مع حالة اللايقين اليومية؟
ما هو عالم اللايقين؟
عالم اللايقين هو حالة من الغموض، وعدم القدرة على التنبؤ تسيطر على المشهد الإنساني، سواء على المستوى الفردي (الشخصي) أو الجماعي (السياسي، الاقتصادي، التكنولوجي، البيئي). إنه عالم تختفي فيه الإجابات الواضحة، وتتزايد فيه التغييرات المفاجئة، مما يولد قلقًا وجوديًا ويُضعف شعورنا بالسيطرة على حياتنا، حيث تتغير الحقائق بسرعة الضوء ويصبح المتهم برئ، والبرئ متهم ، وتتبدل الأولويات والأحكام بين عشية وضحاها. في خضم هذا الضباب، يبرز هوس الترندات كظاهرة تلبي حاجة الإنسان المعاصر إلى اليقين الوهمي، حتى لو كان مؤقتًا.
السوشيال ميديا مضخات الدوبامين
أشار تقرير منظمة الصحة العالمية (WHO) عن الصحة العقلية لسنة (2023)أن مشاهدة مقاطع قصيرة سريعة (مثل ريلز وتيك توك؛ تسبب ارتفاعًا سريعًا في الدوبامين وتُعيد برمجة دماغنا بطريقة تشبه الإدمان. والسرّ يكمن في عاملين رئيسيين :
أولًا : عنصر المفاجأة لأن المحتوى غير المتوقع يحفز الفضول، فتصميم هذه المنصات يعتمد على محتوى غير متوقَّع: كل مقطع يُشبه صندوق مفاجآت قد يحوي ضحكةً أو صدمةً أو معلومات غريبة حيث يفرز الدماغ دوبامين (هرمون المتعة والتحفيز) عند التعرض للمفاجآت، مما يخلق حلقة إدمانية كلما زادت عدم القدرة على التوقع، زادت رغبتك في استمرارية تمرير المقاطع.
ثانيًا : السهولة والسُرعة في تحقيق المتعة الفورية، التي لا تحتاج لبذل جهد لفهم المحتوى فثلاثة ثوانٍ تكفي لتحصل على ضحكة ، أو معلومة سريعة هذه الاستجابة الفورية تُشبع رغبة الدماغ في المكافأة السهلة، مما يُضعف قدرتك على الاستمتاع بأشياء تحتاج صبرًا (مثل قراءة كتاب أو تعلم مهارة).ويحذر التقرير من أن هذا النمط يُسبّب ؛قلقًا عند محاولة التركيز على أنشطة أبطأ، وإرهاقًا عقليًا بسبب التعرّض المستمر لسيْل من المحفّزات الفورية .
محاكم السوشيال ميديا واللايقين
في عالمٍ يُحكَم فيه بالانطباعات السريعة وتُسقط فيه الأحكام قبل التحقيق، صرنا نرفع البعض إلى قمم القداسة بين عشية وضحاها، ثم نرميهم في هاوية الإدانة بلمح البصر. الشخص الذي كنا نراه بطلًا في الصباح قد يصبح شريرًا بحلول المساء، لا لأن الحقائق تغيرت، بل لأن أهواءنا تتقلب كالموجة في بحر اللايقين.
السوشيال ميديا حوّلتنا إلى محاكم مفتوحة، حيث تُصدر الأحكام بناءً على تغريدة عابرة أو مقطع خارج سياقه، أو فيديو لايف دون تحقيق أو تمحيص. نُحب اليوم من يلهمنا، ونكره غدًا من يخالف توقعاتنا، وكأن البشر لم يعودوا بشرًا، بل مجرد شخصيات افتراضية نصنعها ونحطمها حسب مزاج اللحظة.
لكن السؤال الأصعب: أليس هذا التقلب دليلًا على هشاشتنا نحن، لا على إخفاقاتهم هم؟ ربما نكره في الآخرين مرآة لعدم يقيننا، ونبحث في إدانتهم عن طمأنينة زائفة نخدع بها أنفسنا.
فهل نجرؤ على مواجهة هذا التناقض، أم سنظل نلعب دور القاضي والجلاد في مسرحية لا نعرف كيف بدأت، ولا متى ستنتهي؟
تعلم أن الحقيقة ليست أول ضجة تسمعها، بل الرواية الأخيرة بعد صمت طويل ولا تكن أداة لظلم احد فكل لحظة تأنٍ تُعيد إنسانيتنا لتتحول من ضحية القلق إلى لاعبٍ واعٍ في هذه اللعبه الافتراضية.
(مُلهمة من كتابات ألبير كامو)