تضامن فرنسي واسع النطاق مع الحقيقة
في خضمّ بحر الدماء الذي يغرق قطاع غزة، تبرز أصوات تتعالى مطالبة بالحق والعدل، وتكسر جدار الصمت الدولي المهيب. بينما يواصل الاحتلال الإسرائيلي إبادته الجماعية، يجد الصحفيون أنفسهم في مرمى النيران، ليصبحوا شهداء الكلمة والصورة. إن استشهاد أكثر من 200 صحفي في غزة لم يكن مجرد أرقام، بل كان صرخة مدوية في وجه ضمير العالم، دفعت ببعض الدول والمؤسسات الدولية لكسر حاجز الخوف والتنديد بهذه الجرائم، فكانت فرنسا في مقدمة من تحركوا. وهذا المقال يسلّط الضوء على الموقف الفرنسي، ويقارنه بمواقف دولية أخرى، ليضعنا أمام حقيقة أن الإنسانية لا تعرف حدودًا أو جنسيات.
فرنسا تُدين وتُطالب
أدانت وزارة الخارجية الفرنسية بشدة استهداف الاحتلال الإسرائيلي للصحفيين في غزة، وخاصة الغارة التي أدت إلى استشهاد مراسلي قناة “الجزيرة” أنس الشريف ومحمد قريقع و3 مصورين. هذا الموقف الفرنسي، الذي يندرج ضمن مواقف دولية أخرى، يؤكد أن استهداف الصحفيين لم يعد جريمة يمكن التغاضي عنها. فباريس لم تكتفِ بالإدانة، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، وطالبت إسرائيل بضمان وصول صحفيين دوليين بشكل آمن ودون عوائق إلى القطاع لتوثيق الصراع. هذا المطلب ليس مجرد تصريح دبلوماسي، بل هو اعتراف صريح بأن الاحتلال يخفي شيئًا، وأن الحقيقة لا يمكن أن تُروى من جانب واحد. ومن خلال هذا الموقف، تؤكد فرنسا على أهمية حرية الصحافة وضرورة إطلاع العالم على ما يحدث في غزة بكل شفافية.
المفوضية الأممية تنضم للمطالبة
لم تكن فرنسا وحيدة في موقفها، فقد انضمت إليها مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، التي دعت بدورها إسرائيل إلى السماح للصحفيين الدوليين بدخول غزة بشكل فوري وآمن. وفي تصريح لمتحدث المفوضية، ثمين الخيطان، أكد أن استهداف الصحفيين هو “اعتداء على نقل الحقائق في غزة”، مشيرًا إلى أن عدد الصحفيين الذين استشهدوا قد وصل إلى 242 منذ بداية الإبادة الجماعية. هذا الموقف الأممي، إلى جانب الموقف الفرنسي، يُشكّل ضغطًا دوليًا على إسرائيل، ويكشف عن محاولاتها المستميتة لإخفاء جرائمها. فالقانون الدولي الإنساني يضمن حماية الصحفيين أثناء النزاعات، واستهدافهم المتعمد يُعد انتهاكًا خطيرًا لهذا القانون، وهو ما تُصرّ عليه المنظمات الدولية.
لماذا تمنع إسرائيل الصحفيين؟
تتعمد إسرائيل منع دخول الصحفيين الدوليين إلى غزة، وتذهب إلى أبعد من ذلك، حيث تهدد بوقف المساعدات الجوية إذا تم تصوير الدمار. هذا التكتم الإعلامي المتعمد ليس صدفة، بل هو استراتيجية ممنهجة لإخفاء حقيقة ما يحدث. كما كشفت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية أن الحكومة أبلغت بعض القوات الجوية الدولية بأنها ستوقف عمليات إنزال المساعدات إذا تم تصوير الدمار. فإسرائيل تخشى أن يُستخدم التوثيق المرئي كدليل إدانة في محاكمات دولية مستقبلية، خاصة مع تصاعد الاتهامات بارتكاب جرائم إبادة جماعية. إن هذا السلوك يثير تساؤلات حول ما الذي تحاول إسرائيل إخفاءه، ولماذا تخشى الكاميرا أكثر من القنابل؟
واجبنا: كسر حصار الحقيقة
إن منع الاحتلال للصحفيين الدوليين ليس إجراءً أمنيًا، بل جريمة مُمنهجة لخنق الرواية الفلسطينية. وفي ظل استهدافه المتعمد لـ 242 صحفيًا فلسطينيًا (أكثر من 90% منهم محليون)، يتحمل الإعلاميون والحقوقيون حول العالم مسؤولية تاريخية: فصرختنا يجب أن تعلو فوق صمت الأنظمة. لنكن صوت غزة كما فعلت “لجنة حماية الصحفيين” (CPJ) التي رفعت قضية ضد إسرائيل، وكما يُظهر اتحاد الصحفيين العرب تضامنه عبر حملات التوثيق القانوني. مطالبنا ليست شعارات: فتح المعابر فورًا، حماية المراسلين الفلسطينيين، ومقاضاة القتلة. صمتنا اليوم تواطؤٌ، وصوتنا سلاحٌ يُجبر الاحتلال على الكشف عما يخاف أن تراه عيون العالم.
تضامن دولي وإنساني في وجه الصمت
في خطوة لافتة، سحبت النرويج استثماراتها من 11 شركة إسرائيلية، في خطوة أخلاقية وإنسانية تعكس موقفًا قويًا ضد الجرائم التي ترتكب في غزة. هذا الموقف النرويجي يثير تساؤلات حاسمة حول صمت الدول العربية والإسلامية، التي تكتفي بالتنديد بينما تستمر في علاقاتها مع الاحتلال. لماذا لا تحذو هذه الدول حذو النرويج؟ ولماذا تستمر في علاقاتها مع قتلة الأطفال والنساء، بينما شعوبها تغلي غضبًا؟ لقد أصبح من الواضح أن بعض الأنظمة العربية والإسلامية تضع مصالحها فوق دماء الأبرياء، وتتجاهل غضب شعوبها الذي قد يتحول إلى بركان لا يمكن إيقافه.
تضامن عربي لا يسكت
فيما تصاعد الغضب الشعبي العربي من المحيط إلى الخليج، تتحرك مؤسسات إعلامية ونقابية عربية لدعم زملائها في غزة. مبادرات مثل حملة “شهداء الكلمة” (مصر) وبيان اتحاد الصحفيين العرب الذي طالب بمحاكمة إسرائيل، تؤكد أن التضامن مع الحقيقة ليس حكراً على الغرب، بل هو معركة إنسانية تخطت الحدود الجغرافية والسياسية.
ختامًا: في نهاية المطاف، تبقى الحقيقة هي السلاح الأقوى في مواجهة الظلم. فرغم كل محاولات الاحتلال لطمس معالم جريمته، ورغم التجويع الممنهج والتعتيم الإعلامي، فإن صوت الحقيقة سيظل يصدح. ولن يستطيع نتنياهو أن ينتصر في هذه الحرب، فارتكاب المجازر ليس انتصارًا، بل هو هزيمة أخلاقية وإنسانية. إن صمود غزة هو دليل على أن الحق أقوى من الباطل، وأن الإرادة الإنسانية لا يمكن أن تُهزم. وسيبقى السؤال يطارد ضمير العالم: إلى متى يستمر الصمت في وجه هذه الجرائم، وهل سيأتي يوم يحاسب فيه المجرمون على ما اقترفت أيديهم؟.