عبدالرحيم عبدالباري
“نبض الحياة في مطار القاهرة … تدريب استباقي لحماية الأرواح”

في مشهد يعكس رؤية استراتيجية نحو الارتقاء بالجاهزية الطبية، أعلنت وزارة الصحة والسكان عن استكمال المرحلة الرابعة من البرنامج التدريبي لاستخدام أجهزة إزالة الرجفان القلبي الآلي (AED)، بالشراكة مع الكلية المصرية لأطباء الرعاية الحرجة. هذه المبادرة الوطنية تأتي كخطوة حاسمة لتعزيز الاستجابة السريعة لحالات الطوارئ القلبية، لا سيما في المرافق ذات الكثافة البشرية العالية مثل مطار القاهرة الدولي. وفي ظل تزايد الحاجة إلى دعم الكوادر الفنية بالمهارات المتقدمة، يمثل هذا البرنامج ترجمة فعلية لقرارات الدولة في تطوير منظومة الطوارئ وإنقاذ الأرواح.
أوضحت وزارة الصحة أن المرحلة الرابعة من البرنامج التدريبي تركز على تدريب 300 موظف من العاملين في مطار القاهرة الدولي، وهو من أهم المرافق الحيوية في البلاد. اختيار المطار لم يكن عشوائيًا، بل جاء نتيجة لكونه نقطة التقاء يومية لآلاف المسافرين من مختلف أنحاء العالم، مما يضاعف من احتمالية وقوع حالات توقف قلب مفاجئ. ويشمل التدريب مزيجًا من المحاضرات النظرية التي تقدم أحدث المعلومات الطبية، إلى جانب ورش عملية باستخدام أجهزة محاكاة متطورة، لضمان أن المتدرب لن يكتفي بالمعرفة النظرية بل يكتسب القدرة العملية للتدخل الفوري والفعال.

صرّح الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة، بأن البرنامج يأتي تنفيذا لقرار مجلس الوزراء رقم 272 لسنة 2024، الذي ينص على ضرورة تجهيز المنشآت الحكومية بأجهزة إزالة الرجفان وتدريب العاملين على استخدامها بكفاءة. وأضاف أن وجود مثل هذه الأجهزة في مواقع استراتيجية كالمطارات، يرفع من فرص إنقاذ المرضى في اللحظات الذهبية التي تسبق وصول فرق الإسعاف، مما يسهم في خفض معدلات الوفاة الناجمة عن توقف القلب المفاجئ. كما أكد أن الوزارة تعمل على تحديث برامجها التدريبية بما يتماشى مع أحدث المعايير الدولية في مجال الإنعاش القلبي الرئوي.
من جانبه، أشار الدكتور محمد حساني، مساعد وزير الصحة لشؤون مبادرات الصحة العامة، إلى أن هذا التدريب ليس حدثًا معزولًا، بل جزء من خطة وطنية متكاملة لتطوير منظومة الطوارئ الطبية في جميع القطاعات. وأوضح أن تركيز المرحلة الحالية على مطار القاهرة الدولي يعكس إدراك الوزارة لأهمية المطار كمرفق استراتيجي يستقبل كثافة بشرية يومية، ويشهد تنوعًا كبيرًا في الفئات العمرية والحالات الصحية. وأضاف أن الوزارة تعمل على دمج هذه المبادرات في استراتيجية طويلة المدى، تهدف إلى تغطية أكبر عدد ممكن من المرافق الحيوية في مصر.

البرنامج التدريبي يتميز بمنهجية متكاملة تجمع بين الجانب الأكاديمي والعملي، حيث يخضع المتدربون لتجارب محاكاة تحاكي سيناريوهات واقعية لحالات توقف القلب. ويتيح ذلك للعاملين في المطار فرصة التدرب على التعامل مع المواقف الطارئة تحت ضغط الزمن، ما يضمن رفع جاهزيتهم الفعلية عند مواجهة أي حالة حقيقية. كما يتم تقييم أداء المتدربين بشكل دقيق لضمان التزامهم بالبروتوكولات الطبية القياسية، مما يجعلهم عناصر فاعلة في منظومة الإنقاذ السريع داخل بيئة العمل.
لا يقتصر أثر البرنامج على تدريب الأفراد فحسب، بل يمتد ليعزز ثقافة السلامة والصحة المهنية داخل المطار. فوجود موظفين مدربين على إنقاذ الأرواح يعزز شعور الأمان لدى المسافرين والعاملين على حد سواء. كما يسهم في تحسين صورة مصر عالميًا، من خلال إظهار التزام الدولة بأعلى معايير السلامة في مرافقها الحيوية. ويُتوقع أن يؤدي ذلك إلى زيادة ثقة المسافرين الدوليين، ما ينعكس إيجابيًا على حركة السفر والسياحة، ويعزز من مكانة مطار القاهرة كمحور إقليمي ودولي آمن ومتطور.

سيحصل جميع المتدربين على شهادات معتمدة تؤهلهم لاستخدام أجهزة إزالة الرجفان بكفاءة، وهو ما يعزز من قيمة البرنامج على المستويين الشخصي والمهني. وأكد الدكتور محمد حساني أن الوزارة لن تتوقف عند هذه المرحلة، بل ستواصل توسيع نطاق التدريب ليشمل مرافق حيوية أخرى، مثل محطات القطارات، والموانئ، والمراكز التجارية الكبرى. هذه الخطوة تمثل امتدادًا لجهود الدولة في تحسين مؤشرات إنقاذ الحياة، وتطوير قدرات الكوادر الوطنية على الاستجابة الفورية للحالات الطارئة في أي مكان وزمان.
إن ما تشهده مصر من خطوات متقدمة في مجال تدريب الكوادر الطبية والفنية على استخدام أجهزة إزالة الرجفان القلبي يعكس رؤية واضحة لبناء منظومة طوارئ فعالة ومتكاملة. ومع التوسع المستمر في تطبيق هذه البرامج، تتعزز فرص إنقاذ الأرواح، ويترسخ مفهوم السلامة كجزء أصيل من بيئة العمل في المرافق الحيوية. وبينما يشكل مطار القاهرة الدولي نموذجًا يحتذى به في هذه الجهود، يبقى الهدف الأسمى هو أن تصبح كل منشأة في مصر مجهزة ومستعدة لمواجهة الطوارئ القلبية بثقة وكفاءة.