بقلم : نبيل أبوالياسين
فنلندا والبرازيل: عندما يتحدث العالم بلغة الضمير
في زمن تكاد فيه الأصوات الإنسانية أن تضيع وسط ضجيج السياسة والمصالح، يأتي صوتان من طرفي الأرض، من قارتي أوروبا وأمريكا اللاتينية، ليُعلنا أن الإنسانية ليست مجرد كلمة في قاموس الدبلوماسية. فمن هلسنكي إلى برازيليا، يرتفع موقف أخلاقي واضح لا لبس فيه، يعكس فشلاً جماعياً في التعامل مع كارثة لم تعد مجرد خبر عابر. إنه إدراك عميق بأن ما يحدث في غزة هو جرح مفتوح في جسد الإنسانية، وأن صمت العالم هو تواطؤ يمحو معنى القانون الدولي والقيم التي نتباهى بها. هذا المقال ليس سرداً للأخبار، بل هو محاولة لرسم لوحة بانورامية تظهر كيف أن الضمير الإنساني، حين يستيقظ، قادر على هز أركان الجمود واللامبالاة، وكيف أن بعض الدول تختار أن تقف في الجانب الصحيح من التاريخ.
صوت من الشمال: فنلندا تتهم إسرائيل بانتهاك القانون الدولي
لم يتردد الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب في وصف الوضع في غزة بأنه “كارثة تعكس فشل الإنسانية”، مؤكداً أن تصرفات إسرائيل تنتهك القانون الدولي. هذا الموقف ليس مجرد تصريح عابر، بل هو إدانة واضحة من دولة أوروبية معروفة بمواقفها المعتدلة، وهو ما يعطي كلامها وزناً خاصاً. ستوب أشار إلى أن الفشل في السيطرة على الوضع ليس فشلاً سياسياً أو دبلوماسياً فقط، بل هو فشل أخلاقي وإنساني، يعكس عجز المجتمع الدولي عن حماية المدنيين وتطبيق القوانين التي وضعها بنفسه. هذا الموقف الفنلندي يمثل تحولاً مهماً في المواقف الغربية التي اعتادت على تقديم دعم غير مشروط لإسرائيل، ويفتح الباب أمام المزيد من الأصوات التي قد تخرج عن صمتها.
البرازيل: دبلوماسية الضمير
اتخذت البرازيل موقفاً دبلوماسياً حاسماً يعكس رفضها القاطع لحرب غزة، حيث رفضت حكومة الرئيس لولا دا سيلفا اعتماد السفير الإسرائيلي الجديد، مع إبقاء سفيرها في تل أبيب خارج البلاد. هذه الخطوة ليست مجرد إجراء شكلي، بل هي رسالة قوية من قوة إقليمية وعالمية، تعبر عن استياء عميق من الانتهاكات الإسرائيلية. هذا القرار يضاف إلى سجل البرازيل في مواجهة العدوان، بما في ذلك انسحابها من التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست وانضمامها إلى دعوى جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية. هذه المواقف تؤكد أن البرازيل تضع القيم الإنسانية فوق العلاقات الدبلوماسية التقليدية، وأنها مستعدة لدفع الثمن من أجل مبادئها، مما يعمق الشرخ في العلاقات بين الطرفين.
الشارع الإسرائيلي: صحوة الضمير
في ظل هذه المواقف الدولية، يظهر صوت آخر لا يمكن تجاهله: صوت الشعب الإسرائيلي نفسه. استطلاع الرأي الذي نشره موقع “واللا” كشف عن تحول لافت في المزاج العام، حيث أيدت أغلبية ساحقة من الإسرائيليين وقف الحرب وإنجاز صفقة لإعادة الرهائن. الأكثر إثارة للدهشة هو أن أكثر من نصف أنصار حزب الليكود الحاكم يوافقون على هذا التوجه، مما يشير إلى أن حتى القاعدة المؤيدة للحرب بدأت تشعر بثقلها. هذا التحول ليس مجرد استجابة للضغوط الدولية، بل هو نتيجة مباشرة لما يراه الجنود على الأرض، حيث أكد 40% منهم أنهم فقدوا الحافز للقتال. هذه الأرقام تعكس أن الحرب لم تعد تحظى بإجماع داخلي، وأن الرأي العام يتجه نحو حل سلمي.
القانون الدولي: عار على الحكومات
في مداخلتها المؤثرة، لم تتردد المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيزي في تحميل الحكومات مسؤولية ما يحدث، مؤكدة أن “السياسيين أفرغوا القانون الدولي من معناه”. ألبانيزي أوضحت أن المشكلة ليست في القانون نفسه، بل في غياب الإرادة السياسية لتطبيقه. وطالبت الدول بالتدخل الفوري لوقف العدوان، وحثت على اعتقال المسؤولين الإسرائيليين المتهمين بجرائم حرب. كما دعت إلى فرض عقوبات ووقف صفقات الأسلحة، مؤكدة أن المواطن العادي يمتلك أيضاً القدرة على إحداث فرق من خلال المقاطعة الاقتصادية. هذه التصريحات القوية تشير إلى أن الأمم المتحدة ليست مجرد كيان صامت، وأن هناك أصواتاً شجاعة بداخلها ترفض المساومة على القيم الإنسانية، وتدعو إلى محاسبة منتهكي القانون الدولي.
من الشجب إلى الفعل: تحويل المواقف الأخلاقية إلى إجراءات ملموسة
ورغم قوة هذه المواقف الدولية، تبقى التساؤلات حول فعاليتها في إيقاف الآلة الحربية الجارية. فالتاريخ يُظهر أن الإدانات السياسية وحدها نادراً ما كانت كافية لوقف انتهاكات القانون الدولي دون ضغوط ملموسة. هنا تبرز أهمية تحويل هذه المواقف الأخلاقية إلى إجراءات عملية: عقوبات اقتصادية حقيقية، وملاحقات قضائية دولية، وضغوط دبلوماسية متواصلة. التجربة السابقة تُعلمنا أن الأنظمة التي تنتهك حقوق الإنسان لا تتأثر بالشجب والاستنكار بقدر تأثرها بالتكاليف المادية والسياسية لانتهاكاتها. لذا فإن تحالف الدول ذات المواقف الأخلاقية الواضحة يجب أن يتحول إلى كتلة ضاغطة فاعلة، قادرة على فرض تغيير في المعادلة القائمة، لأن الضمير الإنساني بدون آلية تنفيذية يظل كالطبل الأجوف، صوته عالٍ لكن تأثيره محدود.
ختامًا: لحظة الحقيقة
لقد أثبتت الأشهر الماضية أن العالم لم يعد قادراً على تجاهل ما يجري في غزة. فمن تصريحات رؤساء الدول، إلى المواقف الدبلوماسية الحازمة، مروراً بتحولات الرأي العام داخل إسرائيل، وصولاً إلى أصوات الشرفاء في المؤسسات الدولية، تتجمع كل هذه العوامل لتشكل لحظة فارقة في تاريخ الصراع. إنها لحظة الحقيقة التي يواجه فيها الضمير العالمي نفسه، ويدرك أن الصمت ليس خياراً. وإن الضغط الشعبي والدبلوماسي والاقتصادي هو السلاح الوحيد الذي قد يجبر الحكومات على إعادة النظر في سياساتها، ويمنع انهيار ما تبقى من قيم الإنسانية. هذا المشهد المتكامل من ردود الأفعال القوية يبعث على الأمل بأن العالم لم يفقد بوصلته الأخلاقية بعد، وأن هناك من يرفض أن يكون مجرد متفرج على كارثة إنسانية، بل يختار أن يكون جزءاً من الحل، مهما كان الثمن.