عبدالرحيم عبدالباري
في خطوة تعكس التزام الدولة المصرية بتعزيز الصحة النفسية وتحقيق رؤية متكاملة لدعم المواطنين، أعلنت وزارة الصحة والسكان عن تسجيل أكثر من 110,270 زيارة للمنصة الإلكترونية التابعة للأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان منذ إطلاقها في مارس 2022 وحتى أغسطس 2025. هذه الإحصائية ليست مجرد أرقام، بل دليل على نجاح استراتيجية التحول الرقمي في تقديم خدمات علاجية واستشارية متكاملة للمواطنين، بعيدًا عن الوصمة الاجتماعية، وبسهولة وسرية تامة.
منذ انطلاقها، وضعت منصة الصحة النفسية وعلاج الإدمان نفسها في صدارة الخدمات الصحية الرقمية بمصر وإقليم شرق المتوسط. هذه المنصة، التي جاءت تنفيذًا لتوجيهات الدكتور خالد عبدالغفار نائب رئيس مجلس الوزراء للتنمية البشرية ووزير الصحة والسكان، تهدف إلى تمكين المواطنين من الوصول إلى الدعم النفسي والعلاجي بسهولة، من أي مكان وفي أي وقت. ما يميز هذه الخدمة أنها مجانية، وتراعي سرية البيانات، الأمر الذي شجع آلاف المستخدمين على الاستفادة منها دون تردد، في ظل زيادة الوعي بأهمية الصحة النفسية.
بحسب تصريحات الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة، سجلت المنصة أكثر من 27,477 استبيانًا مكتمل البيانات، وقدمت ما يزيد عن 12,846 جلسة علاجية افتراضية. هذه الأرقام تعكس مدى إقبال المواطنين على هذه الخدمة، خاصة في ظل صعوبة الحصول على دعم نفسي سريع في النظم التقليدية. كما تكشف الأرقام عن نجاح الوزارة في إدماج التكنولوجيا ضمن منظومة الصحة، لتقليل الفجوة بين حاجة المواطنين لخدمات الصحة النفسية وقدرة الدولة على تلبيتها بطرق مبتكرة وسهلة الوصول.
كشفت الإحصاءات أن 69% من مستخدمي المنصة من الإناث، مقابل 31% من الذكور، وهو مؤشر على وعي النساء المتزايد بأهمية الدعم النفسي. كما أظهرت البيانات أن 82% من المستخدمين من غير المتزوجين، وأن المراهقين والشباب يشكلون النسبة الأكبر من المستفيدين، وهو ما يعكس مدى حاجة هذه الفئة للدعم النفسي في ظل الضغوط الاجتماعية والاقتصادية. أما من حيث الوضع الوظيفي، فقد بلغت نسبة غير العاملين 63%، مما يؤكد أن الضغوط الناتجة عن البطالة قد تكون من أبرز مسببات الاضطرابات النفسية.
أكدت الدكتورة وسام أبو الفتوح، رئيس الإدارة المركزية للأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان، أن المنصة لا تقتصر على تقديم الاستشارات فحسب، بل توفر جلسات علاجية افتراضية مع أطباء متخصصين، إلى جانب استبيانات تشخيصية وتثقيفية، مما يضمن تقديم خدمة متكاملة لجميع الفئات العمرية من المصريين وغير المصريين المقيمين بمصر. هذه الخدمة، التي تعد الأولى من نوعها في المنطقة، تأتي ضمن خطة الوزارة لتحقيق العدالة الصحية، وضمان وصول الرعاية النفسية لكل مواطن، بما يتماشى مع توجهات الدولة في دعم الصحة النفسية كركيزة للتنمية البشرية.
أوضحت الدكتورة وسام أن الأمانة العامة تعقد اجتماعات دورية لمراجعة الأداء وتطوير المنصة تقنيًا وفنيًا، بما في ذلك زيادة عدد المعالجين المؤهلين وتحديث أدوات التقييم النفسي. كما يتم العمل على إزالة العقبات التقنية، وتبسيط إجراءات التسجيل، لتقديم تجربة استخدام متميزة وسهلة. هذه الجهود تؤكد أن الوزارة لا تكتفي بإنشاء منصة، بل تركز على استدامة الخدمة وتحسينها باستمرار لتلبي تطلعات المواطنين وتواكب المعايير العالمية في تقديم العلاج النفسي عن بُعد.
في ختام التصريحات، دعت الأمانة العامة المواطنين لزيارة المنصة عبر الرابط الرسمي: https://mentalhealth.mohp.gov.eg/mental/web/ar للاستفادة من خدماتها المجانية التي تشمل الدعم النفسي، علاج الإدمان، الاستشارات الفورية، والجلسات الافتراضية. هذه المبادرة تؤكد أن مصر تسير بخطى ثابتة نحو بناء منظومة صحية رقمية متكاملة، تدعم الصحة النفسية كجزء لا يتجزأ من الصحة العامة. ومع استمرار هذه الجهود، تصبح مصر نموذجًا يحتذى به في تطبيق التكنولوجيا لخدمة الإنسان، والارتقاء بمستوى الرعاية الصحية بما يواكب العصر.
إطلاق منصة الصحة النفسية وعلاج الإدمان يمثل تحولًا تاريخيًا في مفهوم الرعاية الصحية بمصر، حيث تمزج بين التكنولوجيا الحديثة والبعد الإنساني للخدمة. ومع تجاوز الزيارات حاجز الـ110 ألف، تتأكد الحاجة لهذه المبادرات الرقمية التي تكسر الحواجز الجغرافية والاجتماعية، وتوفر حلولًا عملية لمشكلات نفسية تهدد استقرار المجتمع. هذه التجربة ليست فقط إنجازًا وطنيًا، بل خطوة نحو مستقبل تصبح فيه الصحة النفسية أولوية قصوى، مدعومة بخدمات مبتكرة ومتاحة للجميع.