عبدالرحيم عبدالباري
بين جدران مستشفى أطفال مصر، حيث تختلط دموع الأمهات بابتسامات الأمل، تتكشف حكاية طبية وإنسانية استثنائية. جولة نائب وزير الصحة والسكان، الدكتور محمد الطيب، داخل المستشفى لم تكن مجرد تفقد روتيني، بل كانت بمثابة رسالة طمأنة للآلاف من الأسر المصرية التي ترى في هذا الصرح الطبي ملاذًا لأطفالها. جولة جمعت بين نبض الأجهزة الحديثة، وحرص الأطباء، ورغبة الدولة الصادقة في تحويل المستشفى إلى نموذج يُحتذى به في الرعاية الصحية للأطفال.

من قسم الحضانات بدأت الرحلة، حيث ترقد قلوب صغيرة تكافح من أجل الحياة. 20 حضانة مجهزة بأحدث الأجهزة الطبية تستقبل المبتسرين الذين يحتاجون إلى رعاية دقيقة في لحظاتهم الأولى. نائب الوزير وقف على أرضية القسم، محاورًا الأطباء وموجهًا بسرعة تذليل أي عقبات قد تعترض عملهم، مؤكدًا أن تدريب الأطقم الطبية هو السلاح الأهم في معركة إنقاذ هؤلاء الصغار. كلمات رسمت ابتسامة على وجوه الأمهات، اللواتي وجدن في هذه الجولة بارقة أمل جديدة.
أما المحطة التالية، فكانت قسم أمراض الدم ومركز علاج الهيموفيليا، الذي تحول إلى قبلة لآلاف المرضى. أكثر من 2500 طفل يعانون أمراض الدم و4000 آخرين مصابين بالهيموفيليا يجدون شهريًا في المركز علاجًا متخصصًا ورعاية متكاملة. هنا، لم يكتف نائب الوزير بالاستماع للأطباء، بل جلس إلى جوار أهالي المرضى، مصغيًا لهم، مطمئنًا على أبنائهم، ومتأكدًا من رضاهم. كلمات الشكر التي انطلقت من أفواه الأهالي جاءت كدليل حي على نجاح المنظومة في كسب ثقة المجتمع.

وفي وحدة الرعاية المركزة الجديدة، بدت ملامح التطوير واضحة. 16 سريرًا حديثًا، منها ثلاثة مخصصة لجراحات الأطفال وسرير عزل مجهز، تشكل درعًا واقيًا لأطفال يعانون من حالات حرجة. الأجهزة المتطورة تومض بإشارات الأمل، والأطباء يقفون على أهبة الاستعداد لإنقاذ حياة في أي لحظة. هذا التوسع لم يكن رفاهية، بل ضرورة تمليها حاجة الواقع، حيث تتضاعف الأعداد وتزداد المسؤولية يومًا بعد يوم.
الجولة ألقت الضوء أيضًا على وحدة القسطرة القلبية، التي تستقبل 50 طفلًا شهريًا، ووحدة رعاية القسطرة المجهزة بـ9 أسرة. هذه الوحدات المتقدمة أزالت عن كاهل الأسر عناء التنقل لمستشفيات أخرى بحثًا عن خدمة قد تكون بعيدة المنال. هنا، يجد الأطفال علاجًا دقيقًا في مكان واحد، دون انتظار طويل أو مشقة مرهقة. التطوير في هذا المجال يترجم رؤية الدولة في تقليل قوائم الانتظار وإنقاذ حياة الصغار في أسرع وقت ممكن.

التحول الرقمي كان أحد العناوين البارزة للجولة. نائب الوزير شدد على ضرورة تسريع ميكنة خدمات الأشعة والمعامل لضمان دقة البيانات الطبية وسلامتها. في المعمل، حيث تدور عجلة الأجهزة الحديثة بلا توقف، وقف ليتأكد من تدريب الفنيين على أعلى مستوى. هذا الانتقال إلى الرقمنة لا يمثل رفاهية إدارية، بل خطوة جوهرية لتقليل الأخطاء، وتسريع الخدمة، وتوفير الوقت على الأطباء والمرضى على حد سواء.
ولأن الصورة لا تكتمل دون المرضى أنفسهم، كانت منطقة العيادات الخارجية آخر المحطات. 30 ألف مريض يمرون من هنا كل شهر، لتتشكل طوابير الانتظار التي تحكي قصصًا مختلفة، لكنها تتوحد في الأمل. نائب الوزير استمع إلى المرضى وأهاليهم، موجهًا بسرعة حل المشكلات وتحسين تجربة الانتظار. ومن هناك، تابع جولته على مركز علاج السكر، وصيدلية العيادات للتأكد من توافر الدواء، ثم مر على قسم الطوارئ الذي يستقبل 3000 مريض شهريًا. في كل ركن من أركان المستشفى، كان الحرص حاضرًا على أن تظل النظافة، الأمن، وصيانة الأجهزة في صدارة الأولويات.

بهذه الجولة، بدا واضحًا أن مستشفى أطفال مصر لم يعد مجرد مبنى طبي، بل قصة نجاح تتجدد فصولها يومًا بعد يوم. مساحة تمتد لأكثر من 4500 متر مربع، وطاقة استيعابية تصل إلى 150 سريرًا، تفتح أبوابها لإنقاذ قلوب صغيرة تبحث عن فرصة حياة. وبين سطور هذه الجولة، تتجسد رؤية الدولة: رعاية صحية متكاملة، حديثة، وإنسانية، ترسم البسمة على وجوه الصغار، وتمنح الأمهات والآباء طمأنينة غابت طويلًا. إنه المستقبل الذي يبدأ من هنا.