السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية في مصر مشهد طموح مليء بالإنجازات، لكنه في الوقت نفسه محاط بتحديات صعبة. المستقبل مرهون بقدرة الدولة على التحول من “التنمية الإنشائية” إلى “التنمية الإنتاجية”، ومن “الوعود الكبرى” إلى “النتائج الملموسة”. عندها فقط ستتحول السردية من خطاب رسمي إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية.
نعلم مسبقا ان التنمية الاقتصادية فى مصر تمثل أحد الأعمدة الأساسية للسردية الوطنية الجديدة التى تتبناها الدولة منذ عام 2014، والتى تسعى من خلالها إلى صياغة مشروع قومى شامل يعيد بناء الدولة على أسس حديثة، ويضمن تحقيق النمو المتوازن، وتحسين مستوى معيشة المواطن، وتعزيز مكانة مصر الإقليمية والدولية.
فالسردية الوطنية للتنمية ليست مجرد مشروعات اقتصادية متفرقة، بل هى إطار متكامل يقوم على عدة ركائز، اولها الارتقاء بالبنية التحتية من شبكات الطرق والكبارى، إلى محطات الكهرباء والموانئ والمطارات، باعتبارها مدخلًا رئيسيًا لجذب الاستثمارات، ثانيا: تنوع مصادر الدخل القومى من خلال التوسع فى القطاعات الإنتاجية مثل الصناعة والزراعة، بجانب الاستثمار فى السياحة والطاقة الجديدة والمتجددة، ثالثا: المشروعات القومية الكبرى مثل العاصمة الإدارية الجديدة، محور قناة السويس، مبادرة “حياة كريمة”، التى تعد تجسيدًا لرؤية الدولة فى العدالة الاجتماعية والتنمية الريفية، واخيرا التوجه نحو الاقتصاد الرقمى والتحول الرقمى للخدمات الحكومية، بما يواكب الاتجاهات العالمية الحديثة.
رغم وضوح السردية الوطنية ونجاحها فى عدة محاور، إلا أن هناك تحديات تواجه استدامتها، فإذا كانت السردية الوطنية للتنمية قد نجحت في بناء “مشهد إنشائي” يلفت الأنظار ويؤكد حضور الدولة، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تحول نوعي يقوم على تعزيز التصنيع المحلى لتقليل الاعتماد على الواردات، دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها العمود الفقري لخلق فرص العمل، تحقيق عدالة اجتماعية حقيقية عبر توجيه ثمار النمو إلى الفئات الأكثر احتياجًا، تعزيز الشفافية والمساءلة في إدارة المشروعات والموارد.
الحقيقة ان هناك فجوة بين الخطاب الحكومى والواقع، فلم يشعر المواطن البسيط بالانعكاس المباشر للانجازات فالتضخم وارتفاع الاسعار يلتهمان الدخول، والتركيز على البنية التحتية أحيانًا جاء على حساب الاستثمار في التصنيع والزراعة، وهما قطاعان أكثر قدرة على توليد فرص عمل مستدامة، بالاضافة الى التوسع في الاقتراض لتمويل المشروعات جعل الدين العام تحديًا هيكليًا قد يضغط على الأجيال القادمة، ورغم الحديث عن الشراكة مع القطاع الخاص، إلا أن المناخ ما زال يحتاج لمزيد من الإصلاحات لتقليل البيروقراطية وضمان المنافسة العادلة.
الخلاصة ياحضرات ان هذه السردية قدمت خطابًا يقوم على استعادة هيبة الدولة، وتحقيق قفزات سريعة في البنية التحتية، ورفع كفاءة الاقتصاد الوطني. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: إلى أي مدى استطاعت هذه السردية أن تحقق أهدافها على أرض الواقع؟