عبدالرحيم عبدالباري
الصحافة هي عين المجتمع التي ترصد وتكشف وتطرح القضايا، لكنها في الوقت نفسه مطالبة بالتحقق والموضوعية قبل نشر أي معلومة تمس سمعة المؤسسات أو ثقة المواطنين. وما حدث في الآونة الأخيرة بشأن ما نشرته جريدة “الوفد” عن مستشفى أحمد ماهر التعليمي يكشف أهمية الالتزام بمبدأ حق الرد والتصحيح، الذي يضمن تحقيق التوازن بين حرية النشر والحفاظ على مصداقية الخبر. ومن هنا، جاء رد الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية ليدحض مزاعم لم تصمد أمام الوقائع والمستندات الرسمية.
في عددها الصادر بتاريخ 9 سبتمبر 2025، نشرت جريدة “الوفد” موضوعًا تحت عنوان مثير: إهمال وأخطاء طبية وفواتير لا تنتهي. ورغم قوة العنوان التشويقي، فإن المضمون افتقد إلى الدقة الكاملة، حيث أورد معلومات مجتزأة تخص مستشفى أحمد ماهر التعليمي، إحدى القلاع الطبية التابعة للهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية. هذه التغطية الصحفية أثارت بلبلة بين المواطنين، ما استدعى الهيئة إلى الرد عبر بيان رسمي يوضح الحقائق الكاملة بعيدًا عن أي تزييف أو مبالغة.
الهيئة وضحت أن المريض محل الواقعة حضر إلى استقبال المستشفى يوم 28 أغسطس 2025 في السابعة وعشر دقائق مساءً، محولًا من مستشفى أخرى عجزت عن التعامل مع حالته. وهنا، بدأت مستشفى أحمد ماهر دورها المهني على الفور: فحوص شاملة، أشعة دقيقة، تحاليل لازمة، وكشف طبي شامل، ثم حجز المريض بقسم الرعاية المركزة. لم يتوقف الأمر عند ذلك، بل أجريت له قسطرة مخية بتاريخ 4 سبتمبر 2025، نتج عنها تحسن ملحوظ في حالته، وهو ما يؤكد الجدية والكفاءة الطبية التي تعاملت بها الأطقم الطبية مع المريض.
رغم التحسن الطبي، إلا أن المريض رفض الاستمرار في تلقي العلاج داخل الرعاية المركزة، وهو قرار مرتبط بحالة نفسية معروفة طبيًا، تعكس الخوف من الإقامة الطويلة في هذا القسم. المستشفى حاولت إداريًا وطبيًا إقناعه بالبقاء، لكن المريض أصر على المغادرة بكامل إرادته يوم 7 سبتمبر 2025. الأهم أن ذويه أكدوا رضاهم عن الخدمة المقدمة، ونفوا ما نُشر في الجريدة من اتهامات بالإهمال أو سوء الرعاية، مما يجعل القضية مثالًا على الفارق بين رواية إعلامية مجتزأة ورواية موثقة بالمستندات الرسمية.
لم تكن هذه الواقعة الأولى، فقد سبق لجريدة “الوفد” أن نشرت بتاريخ 25 يوليو 2024 خبرًا غير صحيح عن سقوط مصعد بمستشفى بنها التعليمي، وقد نفت الهيئة ذلك رسميًا آنذاك. تكرار مثل هذه الأخطاء لا يضر فقط بسمعة المؤسسات الصحية، بل يزرع الشكوك في نفوس المواطنين تجاه الخدمات الطبية التي تقدمها الدولة. الصحافة حينما تخلط بين السبق الإعلامي والافتقار إلى الدقة، تتحول من وسيلة توعية إلى مصدر تشويش على الرأي العام.
الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية أكدت في بيانها تقديرها لجريدة “الوفد” كإحدى الصحف العريقة التي لها تاريخ طويل في الدفاع عن قضايا الوطن. لكنها شددت أيضًا على ضرورة الالتزام بميثاق الشرف الصحفي، وهو الإطار الأخلاقي الذي يحمي الصحفي من الانزلاق وراء أخبار غير دقيقة، ويحفظ للمواطن حقه في المعرفة الصحيحة. إن توازن الصحافة بين الحرية والمسؤولية هو ما يضمن استمرارها كأداة فاعلة في بناء الوعي لا هدمه.
البيان الصادر لم يقتصر على تفنيد المزاعم، بل أكد احتفاظ الهيئة بحقها القانوني في ملاحقة أي جهة أو شخص يروج أخبارًا كاذبة أو يشهر بالمؤسسات الصحية. ذلك أن نشر الأكاذيب لا يمثل فقط تشويهًا، بل قد يؤدي إلى فقدان الثقة في منظومة الصحة العامة، وهو أمر في غاية الخطورة. الحفاظ على ثقة المواطن يتطلب وضوحًا ومحاسبة، وهو ما التزمت به الهيئة عبر توضيح الوقائع وتوثيقها. فالقضية في النهاية تتجاوز مجرد رد صحفي، لتؤكد أن الصحة والأمانة الإعلامية وجهان لا ينفصلان لمصلحة الوطن.
تظل الصحافة حارسًا أمينًا على قضايا المواطن، شرط أن تلتزم بالمسؤولية والدقة قبل اللهاث وراء العناوين الصاخبة. وقضية مستشفى أحمد ماهر التعليمي تكشف أن المؤسسات الصحية تعمل بأقصى طاقتها لخدمة المريض، وأن الحقائق المدعومة بالمستندات أقوى من أي اتهامات عابرة. وبين حرية النشر وحق الرد، تتجلى الحقيقة دومًا: أن الثقة في مؤسسات الدولة الصحية ثروة لا يجوز التفريط فيها، وأن الصحافة الرصينة هي من تعزز هذه الثقة لا أن تهزها.