في بيان صحفي صادر عنه اليوم السبت، قال نبيل أبوالياسين، المحلل الحقوقي والباحث في الشأن العربي والدولي، إن المشهد الدولي يشهد تحولاً جوهرياً غير مسبوق، تُسجّل فيه ساحات القضاء والدبلوماسية العالمية انتصاراتٍ تاريخيةً للقضية الفلسطينية على حساب مشروعية الكيان المحتل. وأوضح أبوالياسين أن موجة الاعترافات المتسارعة بدولة فلسطين، إلى جانب الإجراءات العقابية الاقتصادية والقضائية، لم تعد مجرد إدانات عابرة، بل تحولت إلى إجماع دولي صارخ يعزّز عزلة إسرائيل ويكشف حقيقة جرائمها التي لم يعد للعالم صبرٌ عليها. وأكد أن هذه التطورات تمثل صحوةً للضمير الإنساني وتُشكّل ضغطاً لا رجعة فيه نحو إنهاء آخر مشاريع الاستعمار في العصر الحديث.
البرتغال ولوكسمبورغ… الدبلوماسية الأوروبية تُغير موازين اللعبة
وأضاف أبوالياسين أن قرار البرتغال الرسمي بالاعتراف بدولة فلسطين، بالتزامن مع إعلان مماثل من لوكسمبورغ، ليس مجرد خطوة دبلوماسية روتينية، بل هو صفعة قوية للدبلوماسية الإسرائيلية التي تعتمد منذ عقود على اختراق العمق الأوروبي. وأشار إلى أن هذه القرارات، التي تأتي في إطار تحالف دولي متماسك يضم دولاً كبرى مثل إسبانيا وأيرلندا والنرويج، تمثل انهياراً للمظلة السياسية التي كانت تحتمي بها إسرائيل، مما يدفعها نحو حافة العزلة الدولية بشكل غير مسبوق. ولفت إلى أن هذه الاعترافات المتتالية هي اعترافٌ بحقٍّ تاريخيٍ لا ينكره إلا من يعاند منطق التاريخ والحق.
الفلبين تنتقل من الحليف الأمني إلى الصديق الناقم
ولفت الباحث أبوالياسين إلى أن القرار الفلبيني بوقف شراء الأسلحة من إسرائيل يعد مؤشراً بالغ الخطورة، كاشفاً أن رفض جرائم الحرب الإسرائيلية لم يعد حكراً على الدول التقليدية المناهضة للاحتلال، بل امتد ليطال حلفاء إسرائيل الاستراتيجيين في آسيا. ووضح أن الفلبين، التي كانت ثاني أكبر مشترٍ للأسلحة الإسرائيلية في العالم، تتراجع تحت وطأة الضغط الشعبي الجارف الذي أجبر الحكومة على مراجعة تحالفاتها، مما يكبد الصناعة العسكرية الإسرائيلية خسائر فادحة ويُظهر أن حساب الربح والخسارة لم يعد يصب في صالح الاحتلال. وأكد أن صوت الشعوب أصبح أقوى من أي صفقة أسلحة.
البرازيل وأمريكا اللاتينية… القضاء الدولي يدق ناقوس الخطر الإسرائيلي
وأكد أبوالياسين على البعد القانوني الهائل لقرار البرازيل الانضمام الرسمي إلى دعوى جنوب إفريقيا ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية بتهمة الإبادة الجماعية. وأشار إلى أن انضمام عملاق أمريكا اللاتينية، إلى جانب كولومبيا وتشيلي وبوليفيا ونيكاراغوا، يُضفي ثقلاً قانونياً وسياسياً هائلاً على الدعوى، ويعزز الجبهة الدولية الرامية إلى محاسبة القيادات الإسرائيلية على جرائمها. ولفت إلى أن هذه الخطوة الجريئة تُظهر أن المعركة قد انتقلت من ساحات القتال إلى قاعات المحاكم، حيث سيحكم القانون الدولي وهو ما يخشاه الكيان المحتل أكثر من أي شيء آخر.
واشنطن.. الشريك الأصم يُدفن في نفق العزلة الدولية
وأشار أبوالياسين إلى أن المشهد لم يعد يقتصر على عزلة إسرائيل فحسب، بل تجاوزه إلى العجز الذريع والعار الذي يلف شريكها الرئيسي في جريمة الإبادة والتجويع، ألا وهي الولايات المتحدة الأمريكية. والتي وقفت عاجزة تماماً أمام طوفان الاعترافات الدولي، وفقدت صوابها لدرجة جعلتها تتحول إلى “دولة مارقة” بكل ما تحمله الكلمة من معنى، تهاجم محكمة العدل الدولية وتهدد قضاتها في لحظة، وتفرض عقوبات على أعضائها في لحظة أخرى، فضلاً عن تشجيعها حليفتها تل أبيب على انتهاكات القانون الدولي واستخدامها الفيتو 6 مرات لعرقلة إرادة المجتمع الدولي وإنقاذ المدنيين، مما أثار استنكاراً عالمياً عارماً ودمرت بيدها النظام العالمي الذي ساهمت في بنائه.
ولفت المحلل إلى أن من أكثر المشاهد إذلالاً لواشنطن، كان محاولتها اليائسة منع الرئيس محمود عباس من التحدث في الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث دفنت هيمنتها تحت أقدام الإرادة الدولية عندما تصادت 145 دولة بقرارها المهين، ولم تقف إلى جانبها سوى أربع دول هامشية “إسرائيل وناورو وبالاو وباراغواي”. وأكد أبوالياسين أن هذا الرفض الدولي الساحق للولايات المتحدة ليس سابقة فحسب، بل هو إعلان عملي عن ولادة نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، لم تعد فيه لأمريكا الكلمة الفصل، وأصبح فيه أمر إسقاط هيمنتها أمراً ملحاً وواقعاً يعترف به الجميع.
وختم نبيل أبوالياسين بيانه الصحفي قائلاً: إن إسرائيل لم تعد فقط تفقد الحرب على غزة، بل إنها تخسر رصيدها الأخير في العالم. كل يوم يمرّ يولد دولة جديدة تعترف بفلسطين، وشركة جديدة تقاطع بضائعها، وحكومة جديدة تقطع علاقاتها الأمنية، وشعباً جديداً يهتف تحت قبرصطة برلمانها مطالباً بالعدالة. العزلة التي تُطوّق هذا الكيان هي عزلة أخلاقية وقانونية قبل أن تكون سياسية؛ إنها ثمن طبيعي لإمبراطورية عنصرية أدارت ظهرها للتاريخ والإنسانية. المعادلة اليوم واضحة: طريق القدس يمر عبر لشبونة وبرازيليا ومانيلا، وشمس الحرية ستشرق على فلسطين من حيث أظلم الليل على محتليها.