عبدالرحيم عبدالباري
في مشهد يجسد رؤية مصر الطموحة لتطوير منظومتها الصحية، شارك الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء لتنمية الإنسان ووزير الصحة والسكان، في القمة العالمية السادسة للصحة النفسية الوزارية التي استضافتها الدوحة بين 28 و30 سبتمبر 2025، تحت شعار “تحويل الصحة النفسية من خلال الاستثمار والابتكار والتنفيذ”. وعلى هامش القمة، قام الوزير بجولة ميدانية رفيعة المستوى شملت مستشفى “أسبيتار” ومركز “إتقان” للابتكار والمحاكاة الطبية، بهدف تعزيز التعاون الصحي مع قطر، واستكشاف نماذج متطورة يمكن أن تسهم في بناء منظومة طبية أكثر حداثة في مصر.

زيارة مستشفى “أسبيتار” كانت محطة بارزة في جولة الوزير، فهذا الصرح الطبي يعد الأول من نوعه في الشرق الأوسط والخليج المتخصص في الطب الرياضي وجراحة العظام منذ افتتاحه عام 2007. المستشفى الذي يقع في قلب مدينة “أسباير” الرياضية بالدوحة، يقدم خدمات متكاملة تغطي أكثر من 20 تخصصًا طبيًا، تشمل الجراحة التنظيرية، العلاج الطبيعي، والتغذية الرياضية. ويخدم آلاف الرياضيين سنويًا، سواء محترفين أو هواة، من خلال شبكة شراكات عالمية مرموقة. هذه التجربة المتقدمة تعكس نموذجًا ناجحًا في دمج العلوم الطبية بالاحتياجات الرياضية، مما يجعله مصدر إلهام لمصر في خططها المستقبلية.
أثناء جولته، اطلع الدكتور عبدالغفار على منظومة “أسبيتار” المتكاملة التي تركز على رحلة المريض منذ التشخيص وحتى العودة إلى الملاعب. حيث يعتمد المستشفى على أحدث تقنيات التصوير الطبي كالرنين المغناطيسي والأشعة تحت الحمراء، إلى جانب الجراحات الدقيقة وبرامج إعادة التأهيل الرياضي. هذه البرامج المصممة بعناية تشمل جلسات الليزر، التمارين العلاجية، والتدريب في حمامات السباحة العلاجية، وتحقق نسب نجاح مرتفعة تصل إلى 95% في بعض الحالات. هذا التكامل بين التكنولوجيا والخبرة البشرية يشكل معادلة ذهبية تسعى مصر لاستلهامها في بناء مستشفى مشابه يخدم الرياضيين المصريين.

أكد وزير الصحة أن زيارته لمستشفى “أسبيتار” أثمرت عن اتفاق مبدئي لإعداد مذكرة تفاهم بالتنسيق مع وزارة الشباب والرياضة المصرية، بقيادة الدكتور أشرف صبحي. الهدف من هذه المذكرة هو نقل الخبرات القطرية لإنشاء مستشفى متخصص في مصر، يواكب المعايير العالمية في الطب الرياضي. ويأتي ذلك في توقيت استراتيجي، خاصة مع تزايد استضافة مصر لبطولات رياضية دولية. هذا المشروع المنتظر لن يخدم فقط الرياضيين المحترفين، بل سيفتح الباب أمام دعم وتأهيل المواهب الشابة، ما يعزز مكانة مصر كمركز إقليمي للطب الرياضي والرعاية المتخصصة.
الجولة لم تقتصر على “أسبيتار”، بل شملت أيضًا زيارة مركز “إتقان” للابتكار والمحاكاة الطبية، التابع لمؤسسة حمد الطبية. هذا المركز، الذي يعد ثالث أكبر مركز محاكاة طبية في العالم، يمثل نقلة نوعية في التدريب الطبي عبر بيئة افتراضية تحاكي الواقع. يمتد المركز على مساحة 12 ألف متر مربع، ويضم 34 منطقة تدريبية وأكثر من 1000 مانيكين طبي متقدم، إضافة إلى مختبر واقع افتراضي بتكلفة 25 مليون دولار. حصوله على الاعتماد الكامل من جمعية المحاكاة في الرعاية الصحية عام 2024 يثبت التزامه بالمعايير العالمية للجودة والتعليم الطبي الحديث.
اطلع الوزير خلال زيارته لمركز “إتقان” على أحدث برامج التدريب التي تحاكي سيناريوهات طبية متنوعة تشمل الجراحات الدقيقة، الرعاية الطارئة، والتعامل مع الحالات النادرة. ويعتمد المركز على تقنيات الذكاء الاصطناعي والواقعين الافتراضي والمعزز، لتدريب الأطباء والكوادر الطبية دون أي مخاطر على المرضى. وأوضح الدكتور عبدالغفار أن هذه التجربة تتناغم مع توجهات مصر لإنشاء أول مستشفى افتراضي، تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي، بما يساهم في تعزيز التعليم الطبي الرقمي، وتقليل الأخطاء الطبية، وتحقيق كفاءة عالية في تدريب الكوادر المصرية.
تأتي هذه الزيارات في سياق تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين مصر وقطر، ليس فقط في مجال الطب الرياضي، بل في نطاق أوسع يشمل التدريب الطبي المتقدم ونقل التكنولوجيا الحديثة. فالتعاون مع “إتقان” سيوفر فرصًا لتأهيل الكوادر المصرية عبر برامج تدريب مشتركة وتبادل خبرات، مما يعزز من قدرة مصر على تقديم خدمات صحية حديثة ومتكاملة. ومع إنشاء مراكز متخصصة في الرياضة والمحاكاة الطبية، تتحرك مصر بخطى عملية نحو بناء منظومة صحية رائدة، تجمع بين الاستثمار في الإنسان والتكنولوجيا، وتفتح آفاقًا جديدة لمستقبل طبي أكثر أمانًا وجودة.
من قلب الدوحة، حملت جولة الدكتور خالد عبدالغفار رسائل متعددة: تعاون إقليمي، تبادل خبرات، ورؤية مشتركة نحو تطوير الرعاية الصحية. فبين تجربة “أسبيتار” في الطب الرياضي، وريادة “إتقان” في التدريب الطبي الرقمي، وجدت مصر نماذج يمكن أن تدعم استراتيجيتها الوطنية وتضعها في موقع الريادة الإقليمية. إنها ليست مجرد زيارة بروتوكولية، بل خطوة استراتيجية نحو بناء جيل جديد من المؤسسات الطبية في مصر، قادرة على المنافسة عالميًا وخدمة الإنسان باعتباره الثروة الأغلى.