في زمنٍ أصبحت فيه الإنسانية سجينة الموقع الجغرافي والديانة ولون البشرة، حيث تُقاس الآلام بمقاييس مزدوجة وتُوزع الشفقات وفقًا لأجندات السياسة، يُصدر اليوم نبيل أبوالياسين، المحلل البارز والحقوقي الباحث في الشأن العربي والدولي، بيانًا صحفيًا تاريخيًا يرد فيه على سيدة أمريكا الأولى، ميلانيا ترامب، بعد أن حركت ساكن الضمير العالمي بإنسانيتها الانتقائية. بينما تبكي السيدة الأولى على أطفال أوكرانيا، يقف العالم بأسره أمام جريمة صمتٍ دولي مُريب تُرتكب بحق آلاف الأطفال في غزة، الذين راحوا ضحية سلاحٍ أمريكي وصهيوني لم تمتد لهم يد العون أو كلمة التعاطف ذاتها.
إنسانية مشروطة: أطفال غزة خارج حسابات الرحمة
أشار نبيل أبوالياسين إلى أن الاهتمام البالغ من سيدة أمريكا الأولى، ميلانيا ترامب، بشأن أطفال أوكرانيا، بينما لم تحرك ساكنًا إنسانيتها تجاه أكثر من 20 ألف طفل في غزة تم إبادتهم بالسلاح الأمريكي، يطرح سؤالًا وجوديًا كبيرًا: هل الإنسانية عند السيدة الأولى لأمريكا مرتبطة بديانة وجغرافيا؟! ولفت أبوالياسين إلى أن الصورة التي ترسمها الدبلوماسية الانتقائية تقسم العالم إلى بشر من الدرجة الأولى، وآخرين لا تستحق معاناتهم حتى مجرد بيان صحفي. وأكد أن هذا الصمت المطبق على جريمة الإبادة في غزة هو تواطؤ مباشر في استكمالها.
قنوات اتصال مفتوحة: عندما تكون السياسة أبلغ من القيم
ونوه المحقق الحقوقي إلى المفارقة الصارخة، حيث أعلنت ميلانيا ترامب عن فتح قنوات اتصال مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والتعاون معه “لسلامة الأطفال”، وذكر أنها تلقت ردًا خطيًا منه وشاركت في اجتماعات غير رسمية “بنيّة حسنة”. ووضح أبوالياسين أنه بينما يتم لم شمل ثمانية أطفال أوكرانيين مع عائلاتهم وسط تغطية إعلامية عالمية، يتم في اللحظة ذاتها تفتيت آلاف العائلات الفلسطينية تحت الأنقاض دون أن تحظى باهتمام مماثل. وتساءل: أليست دماء الأطفال الفلسطينيين هي الأخرى تصلح جسرًا للسلام؟!.
ازدواجية المعايير: انهيار منظومة القيم الغربية في غزة
وأكد أبوالياسين أن تزامن حرب غزة مع الأزمة الأوكرانية كشف زيف المنظومة الغربية التي ترفع شعارات حقوق الإنسان. وأشار إلى أن العالم شاهد كيف تحولت مصطلحات مثل “جريمة حرب” و”الإبادة الجماعية” إلى أدوات انتقائية، تُطبق على الخصوم وتُهمش عندما يتعلق الأمر بحلفاء. ولفت إلى التصريحات العنصرية لبعض وسائل الإعلام الغربية التي وصفت الأوكرانيين بأنهم “أوروبيون بأعين زرقاء وشعر أشقر”، بينما يُنظر إلى أطفال غزة وكأنهم مجرد أرقام في تقرير إخباري عابر. وذكر أن هذه الازدواجية لم تعد خافية على أحد، وهي تنخر في مصداقية النظام الدولي بأكمله.
خطاب الكراهية الصهيوني: أطفال غزة “أعداء المستقبل”!
وقال أبوالياسين إنه بينما تتبنى السيدة الأولى خطابًا إنسانيًا في سياقٍ محدد، نرى في الجانب الآخر تصريحات مروعة من المحللين الصهاينة، مثل إلياهو يوسيّان الذي وصف أطفال غزة بأنهم “أعداء المستقبل”، مما يمثل تحريضًا صريحًا على الإبادة. وأضاف أن مثل هذه التصريحات ليست شاذة، بل هي جزء من بنية فكرية عنصرية تهدف إلى تجريد الفلسطيني من إنسانيته، وتبرير قتله أمام العالم. ووصف أبوالياسين صمت القوى الغربية، ومن ضمنها مؤسسات البيت الأبيض، عن هذا الخطاب بأنه “كارثة أخلاقية” تعطي الضوء الأخضر لاستمرار المجزرة.
نداء عاجل: مسؤولية العالم في إنقاذ ما تبقى من غزة
ووجه نبيل أبوالياسين نداءً عاجلاً وحازمًا إلى جميع الدول العربية والإسلامية، وإلى إسبانيا وإيطاليا والبرازيل ودول أمريكا اللاتينية، وجميع المؤسسات الدولية الفاعلة. وطالبهم بأن يتحملوا مسؤولياتهم الأخلاقية والإنسانية فورًا، عبر إرسال مستشفيات عائمة، وسفن لتوليد الكهرباء، ومحطات لتحلية المياه، إلى جانب المنازل الجاهزة، والمولدات، والمعدات الثقيلة لإزالة الركام. وأكد أن على كل دولة أن ترسل فرق إنقاذ متخصصة، شبيهة بتلك التي تُوجّه إلى مناطق الزلازل والكوارث، ضمن جسورٍ برية وبحرية وجوية تضم أطباء ومهندسين وخبراء في الطوارئ، لأن ما أصاب غزة يفوق في حجمه وألمه أي زلزال شهدته البشرية في العصر الحديث.
وختم نبيل أبوالياسين بيانه الصحفي قائلاً: إن التاريخ سيسجل هذه اللحظة ليس فقط كفصل من فصول المعاناة، بل كامتحان حقيقي للضمير العالمي. لقد سقطت الأقنعة واتضحت المعايير، فإما إنسانية شاملة لا تميز بين طفل في كييف وآخر في خانيونس، أو هي ليست بإنسانية. إن صمتكم على غزة، أيها السادة، هو قرار سياسي بقبول الإبادة. وإن صمتكم، سيدتي السيدة الأولى، بينما تُستخدم سياسة بلدكم لتمزيق أجساد الأطفال في غزة، سيبقى وصمة عار في سجل الإنسانية. لن تنتصر القنابل على الحق، ولن تدفن الأنقاض صوت العدالة. إن صرخات أطفال غزة، وإن خنقها الركام، ستتردد في ضمائر الأحرار في كل مكان، وستحاكمكم بها الأجيال القادمة قبل أن تحاكمكم محاكمكم. فليكن في علم الجميع: قضية غزة هي محك النبل الإنساني، ومن يقف فيها متفرجًا فقد خسر إنسانيته إلى الأبد.