ما زالت أزمة تأخر تكليف دفعة 2023 من أطباء الأسنان والصيادلة تلقي بظلالها الثقيلة على المئات من الخريجين الذين ينتظرون مصيرهم المهني المجهول منذ أكثر من عام، وسط حالة من الغضب والاستياء المتزايد داخل الأوساط الطبية والجامعية، بعد أن تم تعطيل التكليف لهذه الدفعة دون مبرر منطقي أو قرار رسمي واضح.
وزير الصحة يتحمّل مسؤولية مباشرة في تفاقم أزمة تكليف دفعة 2023، بعدما اعتمد قرارًا تعسفيًا بـ«التكليف حسب الاحتياج» وطبّقه أو لوح به في توقيت أحاط به الغموض دون أي حوار حقيقي مع النقابات أو إخطار واضح للخريجين، ما حوّل آمال آلاف الشباب إلى حالة من الإحباط. هذا الأسلوب غير الشفاف ليس مجرد إخفاق إداري بل ينسف ثقة الخريجين بالقائمين على منظومة الصحة ويدفعهم للتدافع قانونيًا أمام المحاكم للمطالبة بحقوقهم، بينما تضطر النقابات للدخول في ساحة المواجهة لحماية الأجيال التي درست على قواعد مختلفة. إذا كان الهدف ضبط التوازن، فهناك طرق مؤسسية ومفاوضات منظمة — أما ما حدث فهو إذعان لسياسات مرتجلة تسبّب عبئًا اجتماعيًا ومهنيًا لا يجوز التهاون معه، ويستدعي مساءلة وزارية فورية وفتح باب تحقيق شفاف وإعادة النظر في القرار لصالح الإنصاف.
فمنذ سنوات طويلة، اعتاد خريجو كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان أن يتم تكليفهم بشكل دوري ومنتظم فور تخرجهم، التزاماً من الدولة بمسؤوليتها تجاه هذه الكوادر الطبية الحيوية التي تمثل خط الدفاع الأول عن صحة المواطنين. وكان هذا النظام يعكس رؤية واضحة بأن التكليف حق مكتسب وليس منحة أو تفضلاً من أي جهة.
لكن ما حدث مع دفعة 2023 مثّل صدمة حقيقية؛ إذ أعلنت لجنة التكليف بوزارة الصحة أن التكليف سيكون “وفقاً للاحتياج”، وهو ما تم تطبيقه فجأة وبصورة عشوائية، دون أن يشمل خريجي هذه الدفعة الذين انتظروا دورهم الطبيعي أسوة بزملائهم في الدفعات السابقة. هذا القرار المفاجئ لم يراعِ العدالة ولا التسلسل الزمني، وخلق حالة من الارتباك داخل المجتمع الطبي.
الأدهى أن مفهوم “الاحتياج الذي تم الاستناد إليه لا ينطبق من الأساس على دفعة 2023، لأنها دفعة مستحقة التكليف وفق القواعد القديمة التي كانت سارية حتى موعد تخرجها، قبل صدور أي تعديل أو تغيير في آلية التكليف. وبالتالي فإن تطبيق النظام الجديد بأثر رجعي هو إجراء غير قانوني وغير عادل، يتعارض مع مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين الخريجين.
هؤلاء الأطباء الشباب اليوم يقفون في مفترق طرق؛ لا هم مكلفون في جهات عملهم، ولا قادرون على الالتحاق بسوق العمل الخاص في ظل غياب الخبرة والتدريب العملي الذي يتيحه التكليف الحكومي. وهو ما يعني إهدار طاقة بشرية هائلة استثمرت فيها الدولة سنوات من التعليم والتأهيل دون أن تستفيد منها المنظومة الصحية.
على وزارة الصحة أن تعلن فوراً تكليف دفعة 2023 بالكامل طبقاً للنظام القديم المعمول به حتى تاريخ تخرجها، ثم تبدأ من الدفعات التالية في تطبيق النظام الجديد إذا كانت هناك رؤية حقيقية لإعادة تنظيم التكليف. أما أن تظل هذه الدفعة رهينة قرارات متناقضة ووعود مؤجلة، فذلك ظلم لا يمكن قبوله ولا السكوت عليه.
إن أطباء الأسنان والصيادلة من دفعة 2023 لا يطلبون امتيازات خاصة، بل يطالبون بحقهم المشروع في التكليف، تماماً كما حصلت عليه الدفعات السابقة. إنهم يطالبون فقط بالعدالة، والعدالة لا تتجزأ.