في مواجهة استمرار الأكاذيب السياسية التي يطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي لم تعد مجرد هفوات إعلامية بل تحولت إلى ظاهرة تضر بمصداقية السياسة الدولية وتستدعي الرد الحاسم، يخرج نبيل أبوالياسين، المحلل البارز والباحث في الشأن العربي والدولي، بتصريح صحفي تاريخي. هذا التصريح ليس مجرد رد على إدعاءات كاذبة، بل هو تشريح لجذور ثقافة “الترهيب الإعلامي” وازدواجية المعايير التي يروج لها ترامب، والتي تسعى لفرض وصاية غير مقبولة على إرادة الدول وسيادتها. إنه صوت الحق الذي يعلو فوق دوي الأكاذيب، مدعوماً بالوقائع والحقائق التي تكشف زيف الادعاءات وتبعثرها أمام أنظار العالم بأسره.
سقطة ترامب الهائلة
وصف أبوالياسين التصريحات الأخيرة لترامب بأنها “سقطة هائلة” تكشف عن منهج يعتمد على التضليل والكذب العلني.
وأشار إلى أن ترامب، وفي محاولة يائسة للظهور الإعلامي، لم يجد حرجاً في اختلاق محادثة هاتفية مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، ونسب إليه وعوداً وهمية بوقف استيراد النفط الروسي. وأكد أبوالياسين أن هذه الحادثة ليست سوى حلقة في سلسلة طويلة من الأكاذيب التي أصبحت السمة الأبرز لخطاب ترامب السياسي، مما استدعى نفيًا رسميًا فوريًا وقاطعًا من الحكومة الهندية، التي أكدت عبر متحدث باسم وزارة الخارجية أنها لا تملك أي معلومات عن أي محادثة بين الزعيمين. ولفت إلى أن هذا النفي المباشر ليس مجرد تصحيح لواقعة، بل هو صفعة دبلوماسية مدوية لكبرياء ترامب وتأكيد على أن دول العالم لم تعد تتقبل لغة الترهيب والتفاهات الإعلامية.
رد الفعل الدولي: بين السخرية والتأكيد على التعاون
أوضح أبوالياسين أن صدى هذه الكذبة لم يقتصر على الأوساط السياسية، بل امتد ليشمل الصحف العالمية والعربية التي تناولت الخبر بلهجة ساخرة.
وأضاف أن تلك الصحف سلطت الضوء على تناقضات ترامب الصارخة، فهو من ناحية يتحدث عن السلام، ومن ناحية أخرى تهديداته المتكررة تجر العالم نحو مزيد من عدم الاستقرار والدمار. وذكر أن السخرية الدولية من ترامب تعكس انخفاض مستوى مصداقيته على الساحة العالمية. كما أشار إلى أن روسيا، من جانبها، عبرت عن ثقتها الكاملة في استمرار شراكتها الاستراتيجية مع الهند في مجال الطاقة، حيث أكد نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك أن موارد بلده من الطاقة “مطلوبة ومفيدة اقتصادياً” وأنه واثق من استمرار التعاون مع الشركاء المقربين. ووضح أن هذا الرد الروسي الواثق يؤكد أن محاولات الترعيب الأمريكية باءت بالفشل الذريع.
الدوافع الاقتصادية: لماذا ترفض الهند الانصياع؟
أوضح أبوالياسين أن تمسك الهند بالنفط الروسي ليس قراراً عشوائياً، بل هو قرار اقتصادي استراتيجي بحت.
وأكد أن الهند تعتمد بشكل كبير على النفط الروسي بسبب أسعاره المخفضة، مما يوفر لها مليارات الدولارات سنويًا في فاتورة استيراد الطاقة. ولفت إلى أنه في ظل الاحتياجات المتزايدة للطاقة وحساسية الحكومة الهندية تجاه أسعارها المحلية، فإن التخلي عن هذا المصدر الموثوق والمربح يعد ضرباً من الخيال. وأشار إلى أن ما قد يحدث هو عمليات تقليص محدودة أو تنويع في مصادر الاستيراد، وليس توقفاً كاملاً كما يدعي ترامب. وذكر أن هذا المنطق الاقتصادي السليم هو ما دفع الخارجية الهندية إلى الدعوة بوضوح إلى تجنب “ازدواجية المعايير” التي تتبعها الدول الغربية في نقدها لعلاقات الطاقة مع روسيا.
المشهد الأوسع: الصين وروسيا تقاربان التحدي
أشار أبوالياسين إلى أن التحدي الأمريكي لم يقتصر على الهند وحدها، بل امتد ليشمل الصين، التي دافعت بحزم عن مشترياتها من النفط الروسي. وذكر أن الناطق باسم الخارجية الصينية، لين جيان، وصف هذه المشتريات بأنها “تعاون طبيعي ومشروع”، ووصف ضغوط ترامب بأنها محاولة واضحة للـ “ترهيب”. وأضاف أن هذا الموقف الصيني المتصلب، إلى جانب الرد الروسي الواثق، يرسمان صورة عالمية جديدة حيث ترفض القوى الكبرى الانصياع للأوامر الأحادية. ولفت إلى تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال منتدى الطاقة الذي أكد فيه أن اقتصاده تكيف بنجاح مع العقوبات، وأن شركة “روساتوم” النووية الروسية تواصل بناء محطات طاقة من أجل التنمية في مصر وبنغلاديش وتركيا، مما يعزز تعاونها مع دول العالم من خلال منصات مثل “بريكس” . ووضح أن هذه الشبكة المتينة من الشراكات الاقتصادية تجعل من وعيد ترامب بشأن انهيار الاقتصاد الروسي مجرد أوهام لا أساس لها من الصحة.
كلمة أبوالياسين النارية
وختم نبيل أبوالياسين تصريحه الصحفي بتأكيد أن تصريحات ترامب الكاذبة حول الهند لم تعد مجرد فضائح إعلامية عابرة، بل تحولت إلى حالة تثير الشفقة والازدراء على الساحة الدولية.
إن رئيساً لأعظم دولة في العالم كما يزعم، بات يمثل في سلوكه نموذجاً للدولة المارقة التي لا تحترم الحقائق ولا تلتزم بالأخلاقيات الدبلوماسية. لقد أصبح ترامب ظاهرة خطيرة تجر العالم إلى الهلاك، من حرب التجارة غير المبررة إلى التهديدات العشوائية التي يطلقها في كل اتجاه. إن كذبة المحادثة الهاتفية مع مودي هي القشة التي قصمت ظهر البعير، وكشفت للعالم أجمع أن “إمبراطور الأكاذيب” عارٍ من المصداقية. إن الهند بموقفها الشجاع، والصين بصلابتها، وروسيا بثباتها، يرسلون رسالة واضحة مفادها أن عصر الهيمنة بواسطة الترهيب والكذب قد ولى. وليعلم ترامب وأمثاله أن شعوب العالم أصبحت أكثر وعياً، وأن قادتها لن يكونوا أدوات في مسرحياته السياسية البائسة. فالحق أقوى من أي كذبة، والإرادة السيادية للدول أعظم من أي تهديد.