عبدالرحيم عبدالباري
في عالمٍ تتسارع فيه التحديات وتتعقد فيه منظومات الإدارة الصحية، لم تعد الكفاءة الطبية وحدها كافية لبناء نظام صحي ناجح، بل أصبح التميز الإداري هو البوابة الحقيقية نحو رعاية مستدامة ومؤسسات فعالة. من هذا المنطلق، اختتمت وزارة الصحة والسكان فعاليات البرنامج التدريبي «إدارة المستشفيات والتميز التشغيلي» الذي أقيم بأكاديمية الأميرة فاطمة للتعليم الطبي المهني، بالشراكة مع هيئة فولبرايت الأمريكية، ليؤكد أن تطوير القيادات الصحية هو استثمار في مستقبل المنظومة بأكملها.

على مدار ستة أسابيع مكثفة، جمعت قاعات أكاديمية الأميرة فاطمة نخبة من مديري المستشفيات ونوابهم من اثنتي عشرة محافظة، في تجربة تدريبية جمعت بين الفكر العالمي والخبرة المحلية. لم يكن البرنامج مجرد دورة تعليمية تقليدية، بل منصة لصقل المهارات وتحفيز الإبداع الإداري، ضمن توجه استراتيجي لوزارة الصحة نحو تحويل القيادات إلى صناع قرار يمتلكون أدوات الإدارة الحديثة، القادرة على مواجهة التحديات اليومية وتحقيق التميز التشغيلي في مختلف المستويات.
وأوضح الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان، أن البرنامج الذي تم بالشراكة مع هيئة فولبرايت الأمريكية جاء ليؤكد على أهمية التعاون الدولي في بناء القدرات البشرية. بمشاركة الدكتور منتصر قدري من جامعة جورج واشنطن، تم تبادل الخبرات بين الجانبين المصري والأمريكي لتطوير نموذج إداري متكامل في إدارة المستشفيات. استهدف البرنامج قيادات من محافظات متعددة، ليخلق شبكة تواصل مهنية قوية تعزز التكامل بين الأقاليم الصحية، وتؤسس لمرحلة جديدة من التنسيق الوطني في تقديم الخدمات الطبية.
ركز البرنامج على خمسة محاور أساسية شكلت العمود الفقري لمسار التدريب: الإدارة المالية لغير المتخصصين، إدارة الموارد البشرية، القيادة والتغيير، بيئة الرعاية الصحية، والتطوير المهني المستمر. هذه المحاور لم تُقدَّم في قوالب نظرية جامدة، بل من خلال محاكاة واقعية لسيناريوهات الإدارة داخل المستشفيات، لتمكين القيادات من اتخاذ قرارات دقيقة تعتمد على تحليل البيانات والتفكير الاستراتيجي. وهنا يتجلى التوجه الحديث للوزارة نحو “الإدارة بالمعرفة”، التي تمزج بين الكفاءة العلمية والقيادة الواعية.
وأكدت الدكتورة هنادي محمد، رئيس قطاع تنمية المهن الطبية، أن البرنامج اعتمد على منهج تدريبي تفاعلي يجمع بين المحاضرات وورش العمل التطبيقية، ما أتاح للمشاركين تحويل الأفكار إلى أدوات عملية داخل مؤسساتهم. وأشارت إلى أن هذا النموذج يمثل نقلة نوعية في تطوير القيادات الصحية، لأنه يربط بين الجانب الأكاديمي والتطبيقي، ويحفز روح المبادرة والمسؤولية داخل المستشفيات. فالتميز التشغيلي لم يعد مجرد شعار تنظيمي، بل ثقافة مؤسسية تتبناها الوزارة لضمان جودة الخدمات واستدامة الأداء.
وفي سياق التقييم والمتابعة، أوضحت الدكتورة إسراء أبو زيد، مدير الإدارة العامة لمراكز التدريب، أن البرنامج تميز بآلية تقييم مستمرة على مدار ستة أسابيع لقياس مدى الاستفادة، مع تحديد الاحتياجات التدريبية المستقبلية لكل مشارك. وأشارت إلى أن توجيهات الدكتور محمد الطيب، نائب وزير الصحة للحوكمة والتطوير المؤسسي، ركزت على المتابعة المباشرة لأثر التدريب في بيئة العمل الفعلية. فالفكرة ليست فقط في نقل المعرفة، بل في تحويلها إلى أداء ملموس يُحدث فرقًا في كفاءة المنشآت الصحية.
بهذا البرنامج، تؤكد وزارة الصحة أن بناء نظام صحي قوي يبدأ من “القيادة”، وأن تطوير الكوادر الإدارية هو الأساس لتحقيق التحول المؤسسي المنشود. فقد أصبح مدير المستشفى اليوم قائدًا للتغيير، لا مجرد مشرفٍ على التشغيل. ومع الشراكات الدولية النوعية مثل فولبرايت، تمضي الوزارة بخطى واثقة نحو مستقبل إداري حديث يعتمد على الكفاءة، والمسؤولية، والرؤية بعيدة المدى. إنه استثمار في العقول قبل البنية التحتية، وفي الإنسان قبل المكان.
تُثبت تجربة «إدارة المستشفيات والتميز التشغيلي» أن مصر تسير بخطة علمية نحو ترسيخ نموذج إداري متطور يواكب المعايير العالمية. فبين التدريب، والمتابعة، والتطوير المستمر، تتشكل نواة منظومة صحية أكثر احترافًا وإنسانية. إنها رحلة تبني المستقبل من داخل القاعات التدريبية لتنعكس في أروقة المستشفيات، حيث يلتقي العلم بالإنسان، وتُصاغ رؤية جديدة لمفهوم القيادة الصحية في مصر الحديثة.