لم يكن غريبًا على فنانة في قامة هبة عبد الغني أن تُبهرنا يومًا بموهبة جديدة تضاف إلى رصيدها الإبداعي الثري. فهبة، التي عرفناها ممثلةً تمتلك حسًّا إنسانيًا راقيًا وقدرة فريدة على تجسيد المشاعر بأدق تفاصيلها، أثبتت من جديد أن الفن لا يُختزل في نوعٍ واحد أو أداةٍ بعينها، بل هو طاقة متجددة لا تعرف القيد ولا التوقف.
حين شاهدتها تشارك في مهرجان “دي كاف” بأعمالها في فن النحت وصناعة الفخار، أدركت أن هذه الفنانة لا تعرف الفراغ ولا الركود، وأنها لا تؤمن بالحدود التي تفصل بين الفنون، فالإبداع عندها حالة مستمرة من البحث والاكتشاف.
إن ما يميز هبة عبد الغني حقًا هو ذلك الشغف الذي لا يخمد، والقدرة على تحويل الألم إلى جمال، والانكسار إلى طاقة. فبعد سنوات من العمل الدرامي المكثف، وبعد ما مرت به من ظروف شخصية قاسية، اختارت ألا تنكفئ على ذاتها، بل واجهت الصعاب بالفن والخلق.
أمسكت بالطين كما يمسك الفنان بذاكرته، تُشكّله بحذر، وتنفخ فيه من روحها، فيتحول بين يديها إلى شكلٍ يفيض بالمعنى. كأنها تُعيد رسم ملامحها من جديد، لا بالكاميرا هذه المرة، بل بالأصابع والوجدان.
في أعمالها الجديدة، شيء من السكينة والوجع في آنٍ واحد، وكأنها حوارٌ خافت بين الإنسان ومادته الأولى، بين الروح والطين. فكل قطعة من أعمالها تشبه حكاية قصيرة، فيها من البحر عمقه وغموضه، ومن السماء صفاؤها البعيد.
هي لا تنحت أشكالًا فحسب، بل تُجسد حالات إنسانية صافية، تفيض بالصدق والحنين. وربما لذلك، يشعر المتلقي أمام أعمالها بشيءٍ من الدفء، كأنه يقف أمام مرآةٍ ترد إليه صدى روحه.
لقد أحببتها ممثلة تُجيد التحول من شخصية إلى أخرى بصدقٍ نادر، لكن إعجابي بها اليوم ازداد، حين رأيتها تُمارس الفن بعيدًا عن الأضواء، لا لتُرضي جمهورًا أو تُضيف سطرًا في سيرتها، بل لتُرضي نفسها أولًا، وتُرمم ما تبقى من وجدانها.
إنها تُجسد المعنى الحقيقي للفنان الذي لا ينكسر، بل يُعيد تشكيل حزنه في قالبٍ من الجمال، فيخرج منه أكثر نقاءً وعمقًا.
وما يلفت الانتباه أن أعمالها في المهرجان لم تكن مجرد محاولاتٍ لتجريب الخامة أو خوض تجربة جديدة، بل كانت قطعًا مشبعة بالفكرة والروح، تُحاكي في رمزيتها الإنسان في لحظات ضعفه وقوته، سقوطه ونهوضه. وكأن كل منحوتة من أعمالها تنطق برسالة غير مكتوبة: “الفن هو ما يُبقي الإنسان على قيد الأمل.”
هبة عبد الغني اليوم تُقدّم لنا درسًا بليغًا في أن الإبداع الحقيقي لا يُصنع داخل الاستوديوهات فقط، بل يُولد من رحم التجربة الإنسانية ذاتها.
هي فنانة تُدرك أن الفن لا يُقاس بما نراه على الشاشة أو المعرض، بل بما يتركه فينا من أثرٍ وسكينة. ومن يشاهد أعمالها، يدرك أنه أمام روحٍ اختارت الطريق الصعب، طريق البحث عن ذاتها وسط عالمٍ صاخب، فوجدت في الطين ما يوازي صدقها في التمثيل، وما يعكس عمقها الإنساني.
لقد منحتنا هبة عبد الغني بهذا التحول الفني مفهوماً جديدًا للفن بوصفه رحلة وشفاءً في آنٍ واحد. إنها لا تسعى إلى مجدٍ إضافي، بل إلى سلامٍ داخلي تُترجمه بيديها في كل عملٍ جديد.
وما أجمل أن ترى فنانةً تصنع من الطين لغةً تشبهها، هادئة الملامح، عميقة الروح، تقول الكثير دون أن تنطق.
فمن يدري؟ ربما لم تترك هبة الكاميرا، لكنها وجدت في الطين عدسةً أخرى ترى بها نفسها والعالم من زاويةٍ أكثر صدقًا ودهشة.
