عبدالرحيم عبدالباري
في خطوة تعبّر عن إصرار الدولة المصرية على خوض معركة الوعي حتى نهايتها، افتتحت وزارة الصحة والسكان بالتعاون مع صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي قسمًا جديدًا للحجز الإلزامي بمستشفى إمبابة، ليكون بمثابة طوق نجاة للمرضى الذين ضلّوا طريقهم في ظلام الإدمان. يأتي هذا الافتتاح كترجمة عملية لرؤية الدولة في حماية المواطن، ليس فقط من الأمراض الجسدية، بل من معضلات النفس والسلوك، التي تمثل التحدي الأخطر أمام أمن المجتمع وتماسكه.
القسم الجديد للحجز الإلزامي لا يمثل مجرد توسع في الخدمات الطبية، بل هو إعلان عن ولادة مرحلة جديدة من الرعاية الإنسانية المتكاملة. فقد صُمم ليخدم المرضى الذين يشكل إدمانهم خطرًا على أنفسهم أو على الآخرين، وفق منظومة علاجية متطورة تشمل الفحص النفسي، وإدارة أعراض الانسحاب، والتأهيل الاجتماعي والنفسي، بما يضمن للمريض رحلة علاجية آمنة ومحترمة تحفظ كرامته وتفتح أمامه باب الأمل لاستعادة حياته.
وجاءت هذه الخطوة تحت رعاية الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، الذي أكد مرارًا أن مواجهة الإدمان لا تقل أهمية عن مواجهة الأمراض المزمنة، فالإدمان قضية أمن قومي وصحة عامة في آنٍ واحد. ومن خلال هذا الافتتاح، تجسدت رؤية الوزارة في تحويل المستشفيات العامة إلى مراكز متكاملة للرعاية النفسية، بحيث لا يظل الإدمان وصمة، بل يُعامل كمرض يمكن الشفاء منه بالعلم والإرادة.
أما من الناحية الفنية، فقد كشف الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي للوزارة، أن القسم الجديد يضم 25 سريرًا مجهزًا بأحدث المعايير الدولية، لتوفير بيئة علاجية آمنة وداعمة. وتشمل الخدمات المقدمة علاج بدائل الأفيونات، وإعادة التأهيل النفسي، والرعاية النهارية، وكلها تُدار بواسطة فرق طبية متخصصة تلبي احتياجات المريض في كل مراحل التعافي. هذه البنية المجهزة تمثل خطوة استراتيجية نحو توسيع نطاق الخدمة ورفع كفاءة الاستجابة الوطنية لمشكلة الإدمان.
من جهته، أشار الدكتور أيمن عباس، رئيس الإدارة المركزية للصحة النفسية وعلاج الإدمان، إلى أن الحجز الإلزامي يخضع لإجراءات دقيقة تضمن الحفاظ على حقوق المرضى. فالتقديم يتم عبر أقارب المريض من الدرجة الأولى من خلال الخطوط الساخنة (16023 أو 16328)، مع ضرورة إثبات أن الحالة تمثل خطرًا فعليًا، وأن المريض يُفحص طبيًا ونفسيًا في حالة وعي تام، بما يحقق التوازن بين حق المجتمع في الحماية وحق الفرد في العلاج.
الدكتور عمرو عثمان، مدير صندوق مكافحة وعلاج الإدمان، أكد أن هذا التعاون بين الصندوق ووزارة الصحة هو امتداد لشراكة وطنية هدفها بناء مجتمع خالٍ من المخدرات. وأوضح أن الصندوق يواصل تنفيذ برامج توعوية تستهدف الشباب في المدارس والجامعات، إلى جانب حملات ميدانية في المحافظات، لتغيير الثقافة المجتمعية تجاه الإدمان من الإدانة إلى الدعم. فالمعركة ضد الإدمان لا تُكسب في المستشفيات فقط، بل في العقول والبيوت والمدارس.
من داخل أروقة مستشفى إمبابة، تحدث الدكتور مصطفى منصور، مدير المستشفى، عن القسم الجديد بوصفه “نقطة تحول قانونية وإنسانية”، تجمع بين تطبيق القانون وحماية حقوق المريض. وأكد أن المستشفى مستعد لتقديم تجربة علاجية تُحتذى بها في باقي المحافظات، ضمن خطة شاملة لتعميم خدمات الصحة النفسية والإدمان على مستوى الجمهورية. وبهذا، تواصل الوزارة جهودها في بناء منظومة وقائية وعلاجية تجعل من التعافي قصة أمل لا استثناء.
افتتاح قسم الحجز الإلزامي بمستشفى إمبابة ليس مجرد حدث طبي، بل خطوة في مسار إنساني ووطني طويل، يُعيد الاعتبار لفكرة العلاج كحق لكل مواطن. فبين جدران هذا القسم، تُكتب حكايات جديدة لأشخاص اختاروا أن يولدوا من جديد، والدولة تمد لهم يدها بثقة ومسؤولية. إنها معركة وعي وعلاج.. معركة مصر ضد الإدمان، تنتصر فيها الإرادة على الضعف، ويُزهر فيها الأمل من قلب الألم.