عبدالرحيم عبدالباري
في زمن تتسارع فيه دقات القلوب بين الحياة والموت، تأتي مبادرة وزارة الصحة والسكان لتضع “الوقت” في مكانه الصحيح: عنصر النجاة. فقد وقّعت الوزارة مذكرة تفاهم مع الجمعية المصرية لأمراض القلب لتعزيز قدرات منظومة الاستجابة السريعة لحالات توقف القلب المفاجئ، في خطوة تمثل نقلة نوعية نحو إنقاذ الأرواح وتقليل معدلات الوفيات. هذه الشراكة الجديدة تأتي ضمن استراتيجية وطنية طموحة تضع صحة المواطن في مقدمة الأولويات، وتعيد تعريف مفهوم “الاستجابة الطارئة” بوصفها علمًا وفنًا ومسؤولية مشتركة بين الطبيب والمجتمع.

تأتي مذكرة التفاهم في إطار رؤية شاملة تستند إلى “الاستراتيجية الوطنية للصحة 2024-2030”، التي تتسق مع رؤية مصر 2030، الهادفة إلى تطوير منظومة الرعاية الصحية والانتقال من مرحلة العلاج إلى الوقاية والاستعداد المبكر للطوارئ. فالوزارة لا تكتفي الآن بإنشاء المستشفيات وتزويدها بالأجهزة، بل تسعى لتأسيس ثقافة صحية قائمة على الوعي والجاهزية والاستجابة السريعة. وتستهدف المذكرة تطوير بروتوكولات التعامل مع حالات توقف القلب المفاجئ، بدءًا من لحظة الإصابة وحتى تلقي الرعاية المتقدمة، بما يضمن سرعة الإنقاذ وتقليل احتمالات الوفاة.
وتم توقيع المذكرة من جانب الدكتور محمد حساني، مساعد وزير الصحة لشئون مشروعات ومبادرات الصحة العامة، ممثلًا عن الوزارة، والدكتور طارق الخولي، رئيس شعبة إنعاش القلب الرئوي، نيابة عن الدكتور نبيل فرج، رئيس الجمعية المصرية لأمراض القلب. وقد أكد الطرفان أن هذا التعاون يمثل خطوة متقدمة نحو بناء شبكة وطنية موحدة للاستجابة السريعة، تجمع بين القطاع الصحي الرسمي والمجتمع المدني. كما يهدف الاتفاق إلى تفعيل برامج التدريب الميداني للأطباء والمسعفين والمواطنين، لتصبح مهارة الإنعاش القلبي الرئوي (CPR) ثقافة عامة لا حكرًا على الطواقم الطبية فقط.
وأوضح الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة، أن المذكرة تستهدف تقليل زمن الاستجابة لحالات توقف القلب المفاجئ، ورفع نسب النجاة من هذه الحالات، التي تعد من أكثر أسباب الوفاة المفاجئة في العالم. وأضاف أن التعاون يشمل تدريب الكوادر الصحية على أحدث البروتوكولات الطبية في الإنعاش القلبي الرئوي، وتجهيز المنشآت الصحية بأجهزة مزيل الرجفان الخارجي الآلي (AED)، فضلًا عن نشر هذه الأجهزة في الأماكن العامة عالية الكثافة، كالمولات والمطارات ومحطات المترو، بما يتيح إنقاذ الأرواح خلال “الدقائق الذهبية” الحرجة.
من جانبه، أشار الدكتور نبيل فرج إلى أن الجمعية المصرية لأمراض القلب ستتولى مسؤولية الإشراف العلمي على برامج التدريب والتأهيل، من خلال مدربين متخصصين وأجهزة محاكاة حديثة تحاكي الواقع العملي. كما ستوفر الجمعية برامج توعوية وورش عمل مفتوحة للجمهور، مع منح شهادات معتمدة للمتدربين الناجحين. وتهدف هذه المبادرات إلى تمكين المواطن من أن يكون جزءًا من منظومة الإنقاذ الوطني، لأن كل ثانية في التعامل مع توقف القلب قد تعني الفرق بين الحياة والموت. إنها مسؤولية إنسانية قبل أن تكون طبية.
وتسعى وزارة الصحة، من خلال هذه الشراكة، إلى بناء “ثقافة مجتمعية جديدة” تتعامل مع الطوارئ بثقة واحترافية، لا بخوف وتردد. فالمبادرة لا تقتصر على الأطباء والمستشفيات، بل تمتد لتشمل المدارس والجامعات ومؤسسات العمل، حتى يصبح الوعي بالإنعاش القلبي جزءًا من الحياة اليومية. وتخطط الوزارة بالتعاون مع الجمعية لإطلاق حملات إعلامية موسعة، لتعريف المواطنين بأهمية الإسعاف السريع وأماكن تواجد أجهزة مزيل الرجفان، وترسيخ مبدأ “كل مواطن يمكن أن يكون منقذًا”.
إن توقيع هذه المذكرة يمثل رسالة واضحة بأن “الصحة العامة” ليست مجرد خدمات علاجية، بل منظومة متكاملة تبدأ من الوعي وتنتهي بالإنقاذ. إنها خطوة جديدة تؤكد أن مصر تسير بخطى ثابتة نحو تحقيق التغطية الصحية الشاملة، وتبني نهجًا يعتمد على الوقاية والجاهزية، لا على رد الفعل فقط. فبين نبضة وأخرى، تُكتب حياة، وتُرسم ابتسامة جديدة على وجه وطن يتعلم أن “إنقاذ حياة إنسان واحد.. هو إنقاذ للوطن بأكمله”.
بهذه المذكرة، تؤكد وزارة الصحة أن حماية القلب المصري مسؤولية وطنية تتشارك فيها مؤسسات الدولة والمجتمع معًا. فحين تتحد المعرفة مع الإرادة، وتتحول الدقائق الحرجة إلى فرص للحياة، يصبح المستقبل أكثر أمانًا وإنسانية. إنها ليست مجرد اتفاقية طبية، بل عهد جديد بين الدولة والمواطن: أن لا تُترك أي نبضة دون أمل، ولا حياة دون محاولة إنقاذ.