عبدالرحيم عبدالباري
في زمن تتسارع فيه الاكتشافات العلمية وتتسع فيه آفاق الطب الحديث، تبقى أخلاقيات البحث الطبي هي البوصلة التي تضمن أن يظل العلم في خدمة الإنسان لا العكس. ومن هذا المنطلق، عقدت الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية اجتماعًا مهمًا لمناقشة قانون مزاولة البحوث الطبية والإكلينيكية ولائحته التنفيذية، بحضور نخبة من رواد البحث العلمي والقيادات الصحية، في خطوة تعكس رؤية الدولة المصرية نحو تعزيز الطب القائم على الدليل والبحث، وتأكيد التزامها بأعلى معايير النزاهة والشفافية العلمية.
يُعد هذا الاجتماع الذي ترأسه الأستاذ الدكتور محمد مصطفى عبدالغفار، رئيس الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية، نقطة تحول محورية في مسار البحث الطبي داخل مصر. إذ لم يكن اللقاء مجرد مناقشة قانونية أو إدارية، بل كان مساحة فكرية مفتوحة تناولت كيفية تفعيل القانون رقم 214 لسنة 2020، الذي يمثل الإطار التشريعي لضبط وتنظيم الممارسات البحثية الطبية. وجاءت المناقشات لتؤكد أن تطبيق هذا القانون لن يكون مجرد التزام مؤسسي، بل رؤية وطنية تهدف إلى جعل البحث العلمي أحد محركات التنمية الصحية المستدامة في البلاد.
الاجتماع الذي عُقد في مقر رئاسة الهيئة يوم الأربعاء 22 أكتوبر 2025، شهد حضورًا رفيع المستوى من قادة الفكر الطبي في مصر، يتقدمهم الأستاذ الدكتور شريف وديع، رئيس المجلس الأعلى لمراجعة أخلاقيات البحوث الطبية والإكلينيكية وعضو مجلس الشيوخ، إلى جانب الأستاذ الدكتور تامر حفناوي الأمين العام للمجلس الأعلى، وعدد من رؤساء الهيئة السابقين وأعضاء اللجنة العلمية العليا. وقد أتاح هذا التنوع في الخبرات تبادلًا مثمرًا للأفكار والرؤى حول كيفية مواءمة متطلبات القانون مع احتياجات الواقع الطبي العملي داخل المستشفيات والمعاهد التعليمية.
استهل الدكتور محمد مصطفى عبدالغفار كلمته بلفتة إنسانية راقية، حين قدّم التهنئة للدكتور شريف وديع بمناسبة تعيينه عضوًا بمجلس الشيوخ بقرار من فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي، مؤكدًا أن هذا التعيين يمثل تقديرًا لمسيرة علمية طويلة من العطاء والخبرة. ثم انتقل الاجتماع إلى مناقشة دقيقة لمحاور القانون، ولا سيما ما يتعلق بدور اللجان المؤسسية لأخلاقيات البحث العلمي، وآليات تسجيل الجهات البحثية التابعة للهيئة، بما يضمن تحقيق أعلى معايير النزاهة والشفافية في جميع الدراسات الطبية.
أحد أبرز محاور النقاش تمثل في كيفية تشجيع منظومة البحث العلمي داخل وحدات الهيئة، من خلال توفير بيئة داعمة للباحثين، وتبني سياسات تضمن استقلالية القرار البحثي، مع الالتزام الكامل بحقوق المرضى والمشاركين في الدراسات. وأكد الحاضرون أن تعزيز ثقافة البحث العلمي لا يقل أهمية عن تطوير الخدمات الطبية ذاتها، فكل تجربة سريرية ناجحة تمثل لبنة في صرح التقدم الصحي، وكل اكتشاف جديد يبدأ بفكرة تولد في عقل باحث داخل معهد أو مستشفى تعليمي.
من الجوانب اللافتة في الاجتماع هو التركيز على التوازن بين الطموح العلمي والمسؤولية الأخلاقية، حيث شدّد المتحدثون على أن نجاح أي تجربة طبية لا يُقاس فقط بنتائجها العلاجية، بل بمدى التزامها بالقيم الإنسانية. فالهدف من البحوث الإكلينيكية ليس التجريب بقدر ما هو تطوير علاجات آمنة وفعالة تخدم المريض المصري وتواكب المعايير العالمية. ومن هنا، جاء الاتفاق على ضرورة توعية الكوادر الطبية بأهمية هذا القانون لضمان التطبيق الأمثل له في الممارسات اليومية.
وفي ختام الاجتماع، عبّر المشاركون عن تقديرهم العميق لجهود الهيئة في قيادة هذا الحوار العلمي المسؤول، حيث قام الدكتور محمد مصطفى عبدالغفار بتكريم كلٍّ من الدكتور شريف وديع والدكتور تامر حفناوي بإهدائهما درع الهيئة، في لفتة رمزية تؤكد تقدير المؤسسة لرموزها العلمية. وقد خرج اللقاء بتوصيات عملية من شأنها تعزيز مكانة الهيئة كمحور رئيسي في دعم البحث العلمي التطبيقي، وترسيخ مصر كدولة تقود نهضة الطب الأخلاقي في المنطقة.
بهذا الاجتماع، لم تفتح هيئة المستشفيات والمعاهد التعليمية ملفًا إداريًا فحسب، بل فتحت أفقًا جديدًا للعلم والإنسان معًا. فالقانون الذي نوقش ليس نصًا جامدًا في كتاب، بل وعدٌ بمستقبل يوازن بين طموح البحث وأمانة المهنة. إنها خطوة تُعيد التأكيد على أن مصر لا تكتفي بأن تكون مهد الطب القديم، بل تسعى اليوم لتكون منارة للطب الحديث… بعلمٍ ينهض بالإنسان ويحمي كرامته.