في سباق انتخابي يهز عرش الرأسمالية الأمريكية، تتجه أنظار العالم نحو نيويورك حيث يشكل المرشح الشاب زهران ممداني ظاهرة سياسية فريدة تجمع بين الإسلام والاشتراكية الديمقراطية، في اختبار حقيقي للديمقراطية الأمريكية تحت قيادة ترامب.
دعم غير مسبوق في اللحظات الحاسمة
عشية الانتخابات البلدية في نيويورك، أجري الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما مكالمة خاصة مع المرشح الديمقراطي زهران ممداني، أشاد خلالها بحملته الانتخابية وعرض عليه منصب المستشار الشخصي في حال فوزه. هذه الخطوة تمثل إشارة دعم قوية من أوباما رغم عدم إعلانه التأييد الرسمي، وتأتي في وقت يبتعد فيه العديد من القادة الديمقراطيين عن ممداني المصنف “اشتراكياً ديمقراطياً”.
المكالمة التي استمرت 30 دقيقة، كشفت عن إعجاب أوباما بطريقة إدارة ممداني لحملته الانتخابية، حيث قال له: “كانت حملتك مثيرة للإعجاب حقاً”. كما تطرق الجانبان إلى التحديات المرتبطة بتشكيل إدارة جديدة وبناء فريق قادر على تنفيذ برنامجه الانتخابي الهادف إلى جعل المدينة أكثر قدرة على تحمل أوباء المعيشة.
استقطاب سياسي في زمن الاضطراب
يأتي هذا الدعم في وقت يعاني فيه الأمريكيون من استقطاب سياسي حاد، حيث تشير الأبحاث إلى أن البلاد تشهد تفاقماً في الاستقطاب الأيديولوجي والعاطفي بين الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء . وقد انعكس هذا الاستقطاب على الثقة في المؤسسات الإعلامية التي وصلت إلى أدنى مستوياتها التاريخية عند 28% فقط .
وفي هذا الجو المشحون، برز ممداني كمرشح يثير الجدل داخل الحزب الديمقراطي نفسه، حيث تظهر الدراسات أن الثقة في الحكومة تتأثر بشدة بالانتماءات الحزبية، إذ ارتفعت ثقة الجمهوريين في الحكومة من 10% إلى 42% مع عودة ترامب للسلطة، بينما انخفضت ثقة الديمقراطيين من 39% إلى 31% .
استراتيجية ترامب الهجومية وردود الأفعال
لم يتأخر الرئيس الحالي دونالد ترامب في الرد على صعود ممداني، حيث وصفه بـ “الشيوعي الصغير” وزعم أن سياساته المالية “ستؤدي إلى هدر أموال” المدينة. وهاجم ترامب الحاكم الحالي لنيويورك لدعمه ممداني، وهدد بحجب الأموال الفيدرالية عن المدينة إذا فاز المرشح الديمقراطي.
ورداً على هذه الهجمات، قال ممداني: “ما يزعج ترامب أن ممداني مسلم، هذا ما يثير فزعه، وقلناها منذ فترة ريسة ترامب الأولى ونجددها: ترامب يكن كرهاً وعداءً دفيناً للإسلام والمسلمين”. وأضاف أن خطابه الأخير حول “الإسلاموفوبيا” كان مستلهمًا من الخطاب الشهير الذي ألقاه أوباما عن “قضية العِرق” خلال حملته الرئاسية الأولى.
الانقسام الديمقراطي وخطاب الوحدة
رغم الدعم الذي تلقاه ممداني من أوباما وحاكمة نيويورك السابقة، إلا أن الانقسام داخل الحزب الديمقراطي لا يزال واضحاً. فبينما حضرت الحاكمة السابقة كاثي هوشول تجمعاً انتخابياً لممداني في 26 أكتوبر، إلا أن هتافات “افرضوا الضرائب على الأثرياء” طغت على كلمتها، حيث انتقدت مقترحات ممداني بفرض ضريبة دخل بنسبة 2% على سكان نيويورك الذين يزيد دخلهم السنوي على مليون دولار.
ويظهر هذا الانقسام جلياً في مواقف قادة الحزب، حيث لم يعلن زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ تشاك شومر ما إذا كان سيصوت لممداني، بينما أعلن حكيم جيفريز، زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب، دعمه فقط عشية التصويت المبكر بعد أشهر من التردد.
المشهد الانتخابي واستطلاعات الرأي
أظهر أحدث استطلاع للرأي أجرته جامعة كوينيبياك في الفترة من 23 إلى 27 أكتوبر حصول ممداني على 43% من الأصوات، يليه أندرو كومو بنسبة 33% والمرشح الجمهوري كورتس سليوا بنسبة 14%.
وجاء صعود ممداني غير المتوقع بدفع من جهود الشباب النيويوركيين الذين قاموا بحملات لصالحه، حيث قالت حملته إن 90 ألف شخص تطوعوا. وقال ممداني: “الأمر كله يعود إلى تواصل الناس مع سكان نيويورك الآخرين بشأن المدينة التي نحبها جميعاً”.
وختامًا: في مشهد يؤكد أن الاستقطاب السياسي في أمريكا بلغ ذروته، وتتحول معركة بلدية نيويورك إلى رمز للصراع الأيديولوجي الذي يشق الأمة. زهران ممداني لم يعد مجرد مرشح لرئاسة بلدية، بل أصبح أيقونة لجيل جديد يتحدى التركيبة التقليدية للسلطة، حاملاً راية الاشتراكية والإسلام في وقت واحد.
المفارقة تكمن في أن عداء ترامب لممداني أسهم في تعزيز مكانة الأخير ووحد صفوف الديمقراطيين خلفه، في وقت أظهرت استطلاعات الرأي أن غالبية الأمريكيين يرون أن البلاد “تسير على الطريق الخطأ”. الشعب الذي أنهكته الإغلاقات الحكومية و القلق الاقتصادي لم يعد يخشى التغيير، بل يطلقه من بوابة أكبر مدنه.
اليوم، في نيويورك، لا يتعلق الأمر بمستقبل مدينة فحسب، بل بجوهر الديمقراطية الأمريكية ذاتها. السؤال لم يعد: هل سيفوز ممداني؟ بل: هل تستطيع أمريكا أن تتسع لجميع أطيافها؟ الإجابة تأتي من صناديق الاقتراع، لكن صداها سيدوي في تاريخ الأمة لأجيال قادمة.