عبدالرحيم عبدالباري
في مشهد يعكس جدية الدولة المصرية في ترسيخ مفاهيم العدالة المهنية وحماية المريض والطبيب على حدٍ سواء، عقد الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، اجتماعًا موسعًا مع قيادات اللجنة العليا للمسؤولية الطبية وسلامة المرضى. جاء الاجتماع لمناقشة آليات تطبيق قانون المسؤولية الطبية الذي يمثل نقلة نوعية في تنظيم العلاقة بين مقدم الخدمة الصحية ومتلقّيها، ويؤسس لبيئة طبية أكثر أمانًا وإنصافًا. إنه اجتماع لوضع الأسس الراسخة لطبٍ مسؤولٍ، يوازن بين حق المريض في الرعاية وحق الطبيب في الممارسة الآمنة.
يأتي هذا الاجتماع امتدادًا لجهود وزارة الصحة والسكان في تفعيل قانون المسؤولية الطبية الذي أقرّته الدولة لضمان بيئة صحية عادلة ومنضبطة. فقد اجتمع الوزير مع الدكتور حسين خالد، رئيس اللجنة العليا للمسؤولية الطبية، والدكتور عمر شريف، نائب الرئيس، والدكتور محمد عبدالوهاب، أمين عام اللجنة، لمراجعة آخر المستجدات والخطط التنفيذية لتفعيل القانون. وشدّد الوزير على أهمية أن يكون هذا التشريع أداة لحماية جميع أطراف المنظومة، لا وسيلة للعقاب فقط، بل لضمان العدالة والشفافية وتحسين جودة الخدمة الطبية المقدمة للمواطنين في كل ربوع مصر.
وأوضح الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة والسكان، أن الاجتماع تناول عرض خطة العمل المقترحة لتطوير منظومة المسؤولية الطبية، ومناقشة التصور المبدئي للهيكل الإداري للجنة العليا. كما استعرض الحضور آلية عمل اللجنة الفنية العامة التي تضم عددًا من اللجان النوعية المتخصصة في مجالات الجراحة والباطنة والتخدير والطوارئ وغيرها، بهدف تحقيق التخصصية في دراسة كل شكوى أو حالة على حدة. هذه الخطوة تأتي في إطار حرص الدولة على دقة الإجراءات وسرعة البت في الشكاوى دون الإخلال بحقوق أي طرف.
ومن أبرز محاور النقاش في الاجتماع، استعراض منظومة تلقي الشكاوى ومتابعتها منذ لحظة استقبالها وحتى صدور القرار النهائي من اللجنة، بما يضمن الانسيابية والدقة في الأداء. وأكد الوزير أن الشفافية وسرعة الاستجابة هما أساس الثقة بين المريض والطبيب، مشيرًا إلى أن اللجنة العليا ستكون المرجعية الفنية والقانونية في كل ما يتعلق بالممارسات الطبية في مصر. كما شدد على ضرورة أن يكون عمل اللجنة نموذجًا يحتذى به في النزاهة والاستقلالية، بحيث تُبنى قراراتها على أساس علمي وقانوني محكم.
كما ناقش الاجتماع أهمية ميكنة أعمال اللجنة وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لدعم عمليات المتابعة والتحليل، بهدف الارتقاء بمستوى الكفاءة والدقة في مراجعة الحالات الطبية. وأشار الوزير إلى أن التكنولوجيا الحديثة أصبحت اليوم أداة لا غنى عنها في تطوير منظومات العمل الحكومي، لاسيما في القطاعات الحساسة مثل الصحة. ومن خلال الربط الإلكتروني بين المستشفيات والإدارات الفنية والقانونية، ستتمكن اللجنة من الوصول إلى بيانات دقيقة وسريعة، مما يسهم في اتخاذ قرارات عادلة ومستندة إلى معلومات موثقة.
ولم يغفل الاجتماع مناقشة الأطر القانونية المنظمة لعمل اللجنة العليا، إذ تم استعراض جميع البنود الخاصة بمسؤولياتها وآليات الرقابة والتقييم، بحضور المستشار محمد المنشاوي، المستشار القانوني لوزير الصحة. وأكد الوزير ضرورة الاستفادة من التجارب الدولية الرائدة في هذا المجال، مشيرًا إلى أن مصر تمتلك من الخبرات ما يؤهلها لتطبيق منظومة متكاملة للمسؤولية الطبية تراعي المعايير العالمية وتنسجم مع خصوصية الواقع المحلي. فالمطلوب هو تحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات، في منظومة تحمي المريض وتدعم الطبيب في الوقت ذاته.
إن هذا التحرك يعكس رؤية وطنية متقدمة لبناء نظام صحي يقوم على المساءلة والشفافية، لا الخوف والاتهام. فالمسؤولية الطبية ليست عقبة أمام الأطباء، بل درع يحمي الممارسة المهنية ويضمن حق المريض في الأمان. ومن خلال هذا الاجتماع، تتجه وزارة الصحة نحو تأسيس ثقافة جديدة داخل القطاع الطبي، تُعلي من قيمة الالتزام والمعايير الأخلاقية، وتجعل من كل إجراء طبي عملاً مسؤولًا خاضعًا للتقييم والمراجعة. إنها خطوة تؤسس لعصر جديد من الطب في مصر، عنوانه: “سلامة المريض.. وكرامة الطبيب”.
بهذا الاجتماع، تضع وزارة الصحة والسكان لبنة جديدة في صرح الإصلاح الصحي بمصر، حيث تتحول المسؤولية الطبية من مجرد قانون إلى منظومة حياة تحكمها العدالة والمهنية. فحين يُحترم القانون، ويُكرّم الطبيب، ويُصان المريض، تزدهر منظومة الصحة بأكملها. إن ما بدأته الوزارة اليوم ليس مجرد نقاش إداري، بل خطوة نحو مستقبل أكثر وعيًا وإنصافًا، يؤكد أن “الطب مسؤولية قبل أن يكون مهنة، وإنسانية قبل أن يكون علمًا”. هكذا تبني مصر مستقبلها الصحي.. على أسس من الثقة، والعلم، والعدل.