عبدالرحيم عبدالباري
في عالم الطب، لا تكون المعجزات دائمًا ضربًا من الخيال؛ بل كثيرًا ما تُكتب بأيدي الأطباء، وتُشهد داخل غرف العمليات التي يتقاطع فيها العلم مع الإنسانية. وفي مستشفى رمد المنصورة، تجسدت إحدى تلك اللحظات الفارقة حين اجتمع اليقين الطبي مع سرعة القرار لإنقاذ بصر سيدة كانت على مشارف العمى. قصة إنسانية بامتياز، بطلها فريق طبي تحرك بوعي، وبدعم مباشر من مديرية الصحة بالدقهلية، ليحوّل ساعات الخطر إلى بداية جديدة للحياة.
بدأت تفاصيل الواقعة حين وصلت سيدة تبلغ من العمر 63 عامًا إلى مستشفى رمد المنصورة وهي تعاني من ألم حاد لا يُحتمل وصداع شديد مع انعدام شبه كلي في الرؤية. كشفت الفحوص الطبية أن ضغط العين لديها تجاوز 40 ملم زئبق، وهو مستوى خطير يهدد العصب البصري بشكل مباشر. وقد تبين أن السبب الرئيسي للحالة هو إهمال علاج المياه البيضاء لفترة طويلة، ما أدى إلى انسداد منطقة بؤبؤ العين. وفي ظل هذه المعطيات، أصبح التدخل الجراحي الفوري الخيار الوحيد لإنقاذ نظرها ومنع العمى الدائم.
تنفيذ توجيهات الأستاذ الدكتور حموده الجزار، وكيل وزارة الصحة بالدقهلية، كان حاضرًا بشكل واضح في سرعة التعامل مع الحالة، حيث أكد على ضرورة تقديم الرعاية العاجلة للحالات الحرجة دون أي تأخير. وأوضح الدكتور السيد فاروق، وكيل المديرية للطب العلاجي، أنه عقب استقبال الحالة جرى العمل على خفض ضغط العين بشكل مؤقت عبر الأدوية لتجنب تدهور العصب البصري، ثم تم تجهيز غرفة العمليات لإجراء الجراحة دون إبطاء، وهو ما يبرز التكامل بين التشخيص السريع واتخاذ القرار الطبي الدقيق.
العملية التي أُجريت تضمنت إزالة المياه البيضاء المتقدمة وزرع عدسة داخل العين كبديل عدسي دائم، وهي جراحة دقيقة تتطلب مهارة عالية، خاصة في حالة ضغط العين المرتفع. وأوضحت الدكتورة رباب الدمناوي، مدير إدارة الرمد، أن التنسيق الإداري والطبي تم على أعلى مستوى بين المستشفى ومديرية الشؤون الصحية بالدقهلية لضمان عدم تحميل المريضة أي أعباء مالية، حيث تم إدراجها ضمن منظومة العلاج على نفقة الدولة، وهو ما يؤكد الدور المجتمعي للدولة في دعم المواطنين صحيًا.
وشارك في إجراء العملية فريق طبي متميز ضم الدكتورة ريم البنا استشاري طب وجراحة العيون، والدكتور محمد يسري مقبل الطبيب المقيم، وبمشاركة الممرضتين زهراء وشيماء، حيث عمل الجميع بتناغم كامل حتى نجحت العملية دون أي مضاعفات. وقد بدأت المريضة في استعادة الرؤية تدريجيًا خلال أيام قليلة، مع انخفاض ضغط العين إلى معدله الطبيعي، ما يعكس نجاح التدخل العلاجي والمهارة الجراحية، ويعيد للمريضة القدرة على ممارسة حياتها بشكل طبيعي.
هذا الإنجاز لم يكن طبيًا فحسب، بل إنسانيًا بالدرجة الأولى، حيث وجه وكيل الوزارة الشكر لإدارة المستشفى بقيادة الدكتور أحمد حسان والفريق الطبي على جهودهم المتواصلة لتقديم خدمة طبية راقية لأبناء محافظة الدقهلية. ويؤكد ذلك أن نجاح المنظومة الصحية لا يتحقق فقط بالأجهزة، بل بإخلاص العاملين وإيمانهم بأن المريض أمانة. إنها رسالة طمأنينة لكل مواطن بأن هناك من يقف على خط الدفاع الأول عن صحته وحياته.
وفي ختام هذه القصة الإنسانية والطبية المؤثرة، يتجلى المعنى الحقيقي للطب كرسالة وقيمة. فقد استعادت سيدة كانت على حافة الظلام نور بصرها، وعادت الحياة لتشرق من جديد بفضل العزيمة والمهارة والتفاني. إنها قصة تُروى لتؤكد أن الإنسانية لا تزال تنبض داخل المستشفيات، وأن الأمل قد يولد أحيانًا من لحظة قرار صادق وسريع.