لم أكن أتوقع أن تهزنى شاشة التلفزيون بهذه الطريقة منذ زمن طويل، كنت أظن أن برامجنا امتلأت بالضجيج والسطحية، حتى جلست مصادفة يوم الجمعة الماضية، أمام الحلقة الأولى من برنامج دولة التلاوة، بقناة الحياة، فى اللحظة التى انطلق فيها صوت أحد المتسابقين يقرأ القرآن بصدق وخشوع، شعرت وكأن الزمن يعود بى إلى تلك الأمسيات القديمة التى كنت أجلس فيها بجوار والدى نستمع للشيخ محمد رفعت ومصطفى اسماعيل ومحمد صديق المنشاوى، نفس السكينة، نفس الضوء الداخلى، نفس الإحساس بأن الصوت المصرى له مذاق لا يشبه أحدا.
كان المشهد بسيطا، لكنه أسر قلبى، شيئ ما فى هذا البرنامج يشبهنا نحن المصريين، صدق الصوت، عمق الإحساس، وجمال الروح الذى يخرج بلا تكلف، من وجوه المتسابقين، أدركت أننى لا أشاهد مسابقة، بل أستعيد جزءا من ذاكرتى وذاكرة بلد كانت وما زالت دولة التلاوة بحق.
منذ اللحظة الأولى، بدا واضحا أن البرنامج ليس مجرد منافسة فى الصوت أو المقامات، بل مشروع حضارى يعيد لمصر ريادتها الروحية والثقافية، ويعيد الاعتبار لفن ارتبط بالوجدان المصرى لعقود طويلة، لطالما كانت مصر المدرسة الأولى فى تلاوة القرآن الكريم، صوتا وأداء وإحساسا، وها هو البرنامج يعيد هذا المجد إلى صدارة المشهد.
اختيارات القراء، شكل الحلقة، الإخراج، وزوايا التصوير، كلها بنيت بدقة لتبرز جمال التلاوة لا أن تزاحمه، فيشعر المشاهد بأنه يتذوق جمال القرآن كما ينبغى له أن يتذوق.
الللافت أن البرنامج كشف عن أصوات شابه مدهشة، لكنها تحمل عمقا ومدرسة واضحة، أصوات تشبه الرواد الكبار دون أن تتحول إلى مجرد تقليد، أصوات تحمل روح المدرسة المصرية وتمنحها مستقبلا يستحقه جمهور التلاوة، مع كل قراءة، يشعر المشاهد وكأنه أمام جيل جديد قادر على حمل راية التلاوة المصرية وإعادتها إلى مكانتها الطبيعية.
جاء اختيار لجنة التحكيم موفقا، يجمع بين العلم والدراية وحس المقامات وفهم الأداء الصوتى، نقدهم راق، وتوجيههم للمتسابقين لا يشعرك بنبرة استعلاء، بل يضيف لك أنت كمشاهد درسا جديدا فى التلاوة.
استطاع البرنامج، بذكاء كبير، تقديم المحتوى الدينى بروح معاصرة دون أن يقترب من حدود القدسية، الصورة عالية الجودة، الإخراج هادئ، والموسيقى البصرية راقية دون مبالغة، إنها صياغة إعلامية تحترم وتليق بهذا النوع من البرامج، والنتيجة واضحة، البرنامج أصبح حديث الناس، وانتشرت مقاطعه على وسائل التواصل بشكل واسع، وجذب أجيالا قد لا تتابع عادة هذا النوع من البرامج.
قد يكون أجمل ما فى دولة التلاوة أنه يترك أثرا داخليا بعد انتهاء الحلقة، يجعلك أقرب إلى القرآن، وإلى جمال الصوت المصرى، وإلى ذلك الشعور القديم الذى طالما ربطنا بهويتنا وبيوتنا وذكرياتنا.
إنه يذكرنا أن القوة الناعمة لمصر ليست فقط فى الفن والسينما، بل فى صوت التلاوة الذى صنع وجدان الأمة العربية.
برنامج دولة التلاوة الذى تنظمه وزارة الاوقاف بالتعاون مع الشركة المتحدة للخدمات الاعلامية، ويعرض على شاشة قناة الحياة وقناة CBCوقناة الناس يومى الجمعة والسبت، ليس مجرد برنامج ناجح، بل عودة كاملة لجزء أصيل من هوية مصر، مشروع يعيد رسم ملامح مدرسة التلاوة المصرية، ويطلق جيلا جديدا من القراء الذين سيكملون مسيرة عظماء قراءة القرآن، إنه احتفاء بالجمال، وعودة للروح، وتأكيد أن مصر ستظل دولة التلاوة