عبدالرحيم عبدالباري
في خطوة تمثل تحولًا استراتيجيًا في مسار الأمن الصحي داخل مصر، أعلنت وزارة الصحة والسكان حصول خمسة مستشفيات مصرية على الاعتماد الدولي في مكافحة مقاومة مضادات الميكروبات، وهو إنجاز وضع مصر في مقدمة الدول التي تواجه هذا التحدي العالمي المعقد. لم يكن هذا الاعتراف العالمي مجرد شهادة مرور، بل ثمرة لجهد منسق وتخطيط علمي شاركت فيه مؤسسات وطنية ودولية، في وقت أصبحت فيه مقاومة المضادات تهديدًا حقيقيًا لأنظمة الرعاية الصحية حول العالم.
تشير هذه الخطوة إلى أن مصر لا تنخرط فقط في المعركة العالمية، بل تسهم في قيادتها عبر نماذج متقدمة قابلة للتطبيق دوليًا، وهو ما اعتبرته منظمة الصحة العالمية نموذجًا يُحتذى في محاربة هذا «الخطر الصامت».
مع الإعلان الرسمي، برزت المستشفيات الخمسة—المنيرة العام، المنصورة الدولي، دمياط العام، حميات الغردقة، والإيمان العام بأسيوط—كمنشآت قادرة على تحقيق أعلى معايير الترصد والوقاية وإدارة المضادات الحيوية. ويكتسب الإنجاز بُعدًا إضافيًا مع حصول ثلاثة منها على تصنيف «مراكز تميز عالمية»، لتصبح مرجعًا للدول الأخرى في تطوير خطط مكافحة الميكروبات المقاومة. هذا التكريم الدولي لم يأت من فراغ، بل نتاج مسارات مطولة من التدريب والالتزام وتطبيق المعايير الصارمة للمنظمات الصحية العالمية.
وجاء تسليم شهادات الاعتماد ليؤكد عمق التعاون الدولي في هذا الملف، حيث تسلّم الدكتور عمرو قنديل الشهادات من ممثل منظمة الصحة العالمية في مصر، الدكتور نعمة عابد، والرئيس التنفيذي للجمعية البريطانية لمضادات الميكروبات الدكتور مايكل كورلي. كما نال قطاع الطب الوقائي شهادة تقدير لدوره المحوري في تنفيذ السياسات على أرض الواقع. تعكس هذه اللحظة مستوى الثقة الدولية في النظام الصحي المصري وتقدير الخبراء العالميين لجهود الدولة في مواجهة أحد أخطر التحديات الصحية المعاصرة.
ونال التعاون المصري مع منظمة الصحة العالمية إشادة واضحة، حيث أكد الدكتور نعمة عابد أن الخطة القومية التي أطلقها الدكتور خالد عبدالغفار كانت خطوة جريئة جعلت مصر من الدول القليلة التي تتعامل مع المشكلة عبر استراتيجية وطنية مدروسة. وأوضح أن استمرار هذا النهج سيسهم في تقليل معدلات العدوى وتحسين الاستخدام الرشيد للمضادات الحيوية، ما يعزز قدرة مصر على حماية مواطنيها ويؤهلها لتكون مركزًا إقليميًا في هذا المجال.
وأشار الدكتور راضي حماد إلى حجم الجهد المبذول داخل المستشفيات المعتمدة، والتي التزمت بتطبيق متطلبات منظمة الصحة العالمية مثل ترصد العدوى، وتصنيف المضادات وفق نظام AWaRe، وتقييد وصف مضادات فئة «التقييد» داخل الرعاية المركزة، والالتزام بالبروتوكولات الجراحية الوقائية. كل هذه المعايير لم تكن مجرد إجراءات مكتوبة، بل تمت ترجمتها إلى ممارسة يومية داخل غرف العمليات، المعامل، وحدات العناية المركزة، وغرف المرضى، ما يفسر تميز المستشفيات المصرية ووصولها لهذا المستوى الدولي المرموق.
وفي السياق ذاته، كشف الدكتور هشام مجدي أن منظومة مكافحة مقاومة المضادات يتم تنفيذها حاليًا في 97 مستشفى من مختلف القطاعات الصحية داخل الدولة، في خطوة تمهد لتعميم التجربة على جميع المستشفيات. أما الدكتورة سالي محيي الدين، فأكدت أن البرنامج الوطني يركز على محورين أساسيين هما: منع العدوى والترصد المتقدم. وأضافت أن إدراج منظمة الصحة العالمية للنموذج المصري في دليلها الصادر في يونيو 2025 يعكس حجم التقدم الذي حققته مصر، واعترافًا دوليًا بنجاح التجربة على المستوى الفني والتنفيذي.
يأتي هذا الإنجاز ليشكل لحظة فارقة في تاريخ التطوير الصحي بمصر، ويؤكد قدرة الدولة على مواكبة التحديات العالمية بقوة علمية وإدارية. إن حصول مستشفيات مصرية على الاعتماد الدولي، وتصنيف بعضها كمراكز تميز عالمية، ليس نهاية الطريق بل بدايته. فهو يفتح الباب لتطوير أوسع وأعمق، ويعزز ثقة المواطن في المنظومة الصحية، ويثبت أن مصر قادرة على صناعة نماذج عربية وإقليمية رائدة في حماية الصحة العامة. إنها خطوة جديدة في مسار بناء نظام صحي أكثر أمانًا وابتكارًا، قادر على مواجهة أخطر الميكروبات وأكثرها تحديًا.