عبدالرحيم عبدالباري
يمثل تطوير مبنى العيادات الخارجية بمستشفى الجمهورية التعليمي خطوة جديدة في مسار تحديث المنظومة الصحية بمصر، حيث تأتي الزيارة التفقدية التي أجراها الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، لتؤكد أن فلسفة التطوير لم تعد مجرد ترميم مبانٍ أو إضافة أجهزة، بل أصبحت مشروعًا شاملًا لإعادة تشكيل الخدمات الطبية وفق معايير حديثة تحقق الجودة والسرعة وكرامة المريض. هذه الزيارة تحوّلت إلى رسالة واضحة: أن الاستثمار في البنية التحتية الصحية بات ركيزة أساسية لمستقبل مستدام للرعاية الطبية في البلاد.

تمثل أعمال تطوير مبنى العيادات الخارجية بمستشفى الجمهورية التعليمي نموذجًا لتوجه الدولة نحو إعادة هندسة بيئة العلاج، بما يجعل المستشفيات التعليمية نقاط قوة في النظام الصحي لا مجرد منشآت خدمية. فالزيارة كشفت عن حجم الجهود المبذولة في تحديث العيادات والارتقاء بمساحات الاستقبال وتطوير الأساليب العلاجية. وقد جاء توسيع المبنى الرئيسي ليؤكد أن التطوير لا يقتصر على الواجهات أو الإنشاءات فحسب، بل يشمل إضافة تخصصات دقيقة مثل وحدة أورام الأطفال وعلاج الفيروسات الكبدية، مما يعزز قدرة المستشفى على تقديم خدمات متنوعة لمختلف الفئات العمرية والمرضية.
من أبرز مؤشرات التطوير زيادة السعة السريرية من 91 إلى 160 سريرًا، وهي قفزة رقمية تعكس نقلة نوعية في قدرة المستشفى الاستيعابية. فهذه الزيادة تخفف الضغط على الأقسام الداخلية والرعايات وتوفر بيئة أفضل لإدارة الحالات الحرجة. كما تضمّن التحديث إنشاء مبنى جديد للغسيل الكلوي يضم 13 ماكينة، وهي إضافة تُسهم في تقليل قوائم الانتظار لمرضى الكلى الذين يحتاجون جلسات منتظمة، خاصة مع تزايد الطلب على هذا النوع من الخدمات. هذه الأرقام ليست مجرد توسعات؛ بل هي استثمار مباشر في حياة المرضى وجودة الخدمة.
وتُعد التوسعات الجراحية عنصرًا محوريًا في التطوير، حيث جرى إضافة 3 غرف عمليات مجهزة وفق أعلى معايير الجودة، إلى جانب رعايات مركزة وقلب مفتوح وحضانات جراحية. هذه المنشآت الجديدة تسمح بزيادة عدد التدخلات الجراحية الدقيقة وتقليل معدلات التحويل إلى مستشفيات أخرى. كما تسهم غرف العمليات المتطورة في رفع مستوى التدريب للأطباء المقيمين وأطباء الزمالة، ما يعزز دور المستشفى كصرح تعليمي قادر على تخريج كوادر طبية مدربة على أحدث التقنيات.
وتجلّى التطوير أيضًا في الارتقاء بالخدمات المقدمة داخل العيادات الخارجية التي أصبحت تضم 20 عيادة في تخصصات مختلفة. وما لفت الانتباه هو زيادة كراسي عيادة الأسنان من كرسي واحد إلى ثلاثة، بالإضافة إلى كرسي مخصص لجراحة الوجه والفكين. هذا التوسع يعزز من قدرة العيادة على استقبال أعداد أكبر من المرضى يوميًا، مع تقديم خدمات تخصصية لم تكن متوافرة بنفس القوة سابقًا. كما تعكس هذه الزيارة حرص الوزير على التواصل المباشر مع المواطنين في ساحات الانتظار، للاطلاع على مستوى الخدمات وتقييم مدى رضا المرضى.
وعلى مستوى الأداء الفعلي خلال عام 2025، أظهر المستشفى حجم إنجازات كبيرًا يعكس كفاءة تشغيلية متنامية. فقد استقبلت العيادات الخارجية أكثر من 317 ألف حالة، إلى جانب إجراء ما يزيد على 159 ألف حالة أشعة، وهو رقم يعكس حجم الضغط يوميًا على المستشفى وقدرته على التعامل معه. أما العمليات الجراحية فقد بلغت 11,354 عملية ما بين كبرى ومتوسطة وصغرى، فضلًا عن تقديم 17,399 حالة علاج إشعاعي، و147 عملية ضمن مبادرة إنهاء قوائم الانتظار، و3,893 منظار جهاز هضمي. هذه الأرقام تترجم حقيقة التطوير على الأرض وليس في التقارير فقط.
رافق وزير الصحة خلال هذه الجولة التفقدية وفد رفيع المستوى من قيادات القطاع الصحي، بما يعكس اهتمامًا مؤسسيًا جماعيًا بمتابعة التطوير. فقد حضر الزيارة كل من الدكتور بيتر وجيه مساعد الوزير للطب العلاجي، والدكتور شريف مصطفى مساعد الوزير للمشروعات القومية، والدكتور محمد مصطفى عبدالغفار رئيس هيئة المستشفيات والمعاهد التعليمية. كما رافق الوزير الدكتور شريف صفوت نائب رئيس الهيئة، والدكتور محمد صلاح الدين عميد معهد الكلى، إلى جانب الدكتور أحمد فرغلي المدير العام للمستشفيات، الذين شكّل حضورهم رسالة واضحة بأن عملية التطوير تجري وفق رؤية تكاملية تشارك فيها جميع المستويات القيادية، بما يضمن استدامة الأداء ورفع الكفاءة التشغيلية وتحقيق أعلى معايير الجودة داخل المستشفى.
إن ما شهدته مستشفى الجمهورية التعليمي من تطوير يعكس مرحلة جديدة في مسار تحديث القطاع الصحي المصري، تقوم على رؤية واضحة ترتكز إلى الجودة والاستدامة والتخصص الدقيق. وقد جاءت زيارة وزير الصحة لتؤكد أن الدولة ماضية في دعم هذه الرؤية بكل قوة، وأن البناء الصحي لا يكتمل إلا بإعادة تأهيل البنية التحتية وتوفير خدمات متقدمة قادرة على تلبية احتياجات المواطنين. وبين الأرقام والإنشاءات، يبقى الهدف واحدًا: تقديم خدمة صحية تليق بالمواطن المصري وتدعم حقه في حياة صحية كريمة.