عبدالرحيم عبدالباري
في خطوة تحمل ملامح ثورة طبية جديدة داخل أروقة المنظومة الصحية المصرية، وتأتي تحت مظلة دعم القيادة الصحية ممثلة في الأستاذ الدكتور خالد عبدالغفار – نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، وبدعم مباشر من الأستاذ الدكتور أحمد مصطفى – رئيس الهيئة العامة للتأمين الصحي، والمتابعة الدقيقة من الدكتورة رشا مصطفى – مدير فرع التأمين الصحي بالقليوبية، يسجّل مستشفى التأمين الصحي النموذجي ببنها إنجازًا طبيًا عالميًا جديدًا. فقد نجح فريق الأشعة التداخلية بالمستشفى في إجراء أول حالتين في مصر لعلاج تضخم الغدة الدرقية باستخدام تقنية Thyroid Artery Embolization، وهي تقنية حديثة تُنفذ في عدد محدود جدًا من المراكز العالمية المتقدمة، ما يضع مصر ضمن أوائل الدول التي تطبّق هذا الإجراء عالي الدقة.

ويمثل هذا النجاح نقلة نوعية في خدمات الطب التداخلي، حيث تعتمد التقنية على غلق الشرايين المغذية للغدة باستخدام قساطر ميكروسكوبية وحبيبات دقيقة متناهية الصغر، وهو ما يسمح بعلاج التضخم دون الحاجة لأي جراحة أو تدخلات معقدة. هذا الإنجاز لا يعكس فقط قدرة المستشفى على مواكبة التطور العالمي، بل يؤكد أن المؤسسات الحكومية باتت مؤهلة لتقديم خدمات تضاهي أرقى المراكز الدولية، مما يعزز ثقة المرضى في منظومة التأمين الصحي ويثبت أن الدولة تمضي بخطى ثابتة في تحديث القطاع الطبي.
وقد قاد تنفيذ الإجراء الاستثنائي الأستاذ الدكتور أحمد عوض بيصار – أستاذ مساعد الأشعة التداخلية بجامعة الزقازيق – الذي أشرف على الخطوات كافة وفق أحدث البروتوكولات العالمية. وبرهن الفريق الطبي بوحدة القسطرة على مستوى متقدم من المهارة والدقة، مؤكدين استعدادهم لتبني التقنيات العلاجية المعقّدة التي تتطلب خبرة فائقة وتجهيزات عالية المستوى. ويجسد هذا النهج رؤية واضحة نحو إدخال طرق علاجية جديدة كانت متاحة فقط في أكبر المراكز العالمية، ما يفتح الباب لمرحلة جديدة من التطور العلمي داخل مستشفيات التأمين الصحي.
أما الحالة الأولى فكانت لشاب يعاني من تضخم كبير والتهابات ونشاط زائد في الغدة الدرقية، ما جعل الجراحة خيارًا شديد الخطورة. وبعد التقييم، تقرر اللجوء إلى الحقن الشرياني كحل علاجي آمن ومتقدم. نُفذ الإجراء تحت التخدير الموضعي باستخدام قساطر دقيقة للغاية تعمل على غلق الشرايين المغذية للغدة، ما يؤدي إلى تقليل حجمها دون أي تأثير على وظائف الجسم الحيوية. وقد أظهر المريض تحسّنًا سريعًا بعد التدخل، في مؤشر واضح على فاعلية التقنية ونجاحها في التعامل مع الحالات المعقدة.
بينما كانت الحالة الثانية لسيدة في الثلاثينيات من عمرها تعاني من تضخم ضاغط على القصبة الهوائية وصعوبة واضحة في البلع، فضلًا عن عودة التضخم بعد خضوعها لجلسة كي حراري سابقة. وجاء الحقن الشرياني كخيار مثالي لحالتها، حيث نُفذ الإجراء بدقة شديدة مع الحفاظ الكامل على العصب الحنجري والأحبال الصوتية، الأمر الذي يمنح هذه التقنية تفوقًا مؤكدًا على العديد من الطرق التقليدية. وقد تراجعت الأعراض بشكل ملحوظ بعد التدخل، مما أعاد للمريضة القدرة على التنفس والبلع بسهولة وبدون ألم.
وتتميز تقنية Thyroid Artery Embolization بأنها من أكثر الأساليب تطورًا وأمانًا على مستوى العالم؛ فهي لا تحتاج إلى تخدير كلي ولا تتطلب فتحًا جراحيًا، كما تمنح المرضى فترة تعافٍ قصيرة وتجنبهم مخاطر العمليات التقليدية. إضافة إلى ذلك، أثبتت فعاليتها في حالات التضخم الشديد أو الانتكاسات بعد الكي الحراري، ما يجعلها خيارًا علاجيًا ثوريًا لكثير من المرضى الذين كانت خياراتهم محدودة سابقًا. ويمثل تطبيق هذه التقنية في مصر خطوة جريئة تعزز مكانة البلاد في مجال الطب الدقيق الحديث.
ويؤكد نجاح هذا الإنجاز الطبي أن المنظومة الكاملة كانت على أعلى مستوى من التنسيق والكفاءة. فقد وفّر الدكتور محمد بلابل – مدير المستشفى – كل الإمكانات اللازمة ووضع المستشفى في حالة استعداد قصوى. كما لعب الدكتور محمد شيح – مدير وحدة القسطرة – دورًا مهمًا في الإشراف على الجاهزية الفنية للوحدة. إضافة إلى ذلك، كان لفريق التمريض المتميز: مس/ رشا، ومس/ مرفت، وفني الأشعة أ/ أحمد النجار، إسهام واضح في تأمين نجاح الإجراء وتحقيق نتائج دقيقة تعكس احترافية العمل الجماعي.
وفي الختام، يظل هذا الإنجاز محطة فارقة في مسيرة التطور الطبي داخل مستشفى بنها النموذجي، ودليلًا حيًا على قدرة الدولة المصرية على تقديم أحدث التقنيات العلاجية وفق أعلى المعايير العالمية. ومع هذه الخطوة التاريخية، تفتح مستشفيات التأمين الصحي بابًا جديدًا للأمل أمام المرضى، وتؤكد أن مصر قادرة على المنافسة عالميًا في مجال الطب التداخلي الحديث، بفضل قيادة واعية وفريق طبي يضع حياة المريض على رأس الأولويات.