أصبحت التكنولوجيا اليوم بحرًا واسعًا يسبح فيه أطفالنا ومراهقونا بلا شاطئ واضح وبلا ضوء يرشد طريقهم فصارت هواتفهم عوالم مفتوحة تتدفق منها مقاطع وتحديات وتريندات تشبه أمواجًا عاتية تدفعهم أحيانًا إلى سلوكيات لا تعكس براءتهم بل تسرقها منهم في لحظة وتعيد تشكيلها بصورة مقلقة وحين نسمع عن وقائع عنف يرتكبها صغار السن ندرك أننا لا نواجه حدثًا عابرًا بل ظاهرة تتسع وتتسلل إلى بيوتنا بصمت وتحتاج منا إلى وعي أشمل واحتضان أكبر قبل أن نخسر أبناءنا في طريق لا عودة منه
إن المراهق الذي ينظر إلى العالم عبر شاشة هاتفه يرى نفسه في سباق دائم مع الآخرين يرغب في أن يكون بطلًا في عيون أصدقائه وأن يثبت أنه قادر على خوض مغامرات قد يراها تحديًا بينما تخفي في داخلها خطرًا ممتدًا ورغبة التحدي هذه لا تأتي من فراغ بل من قلب يبحث عن معنى وقيمة واهتمام وربما عن مساحة يسمع فيها العالم صوته حين لا يجد في واقعه من يصغي إليه أو يمنحه هذا الشعور بالأمان والانتماء
ولذلك فإن إعادة توجيه الأبناء نحو استخدام سوي للتكنولوجيا ليست مهمة رقابية بقدر ما هي مهمة إنسانية تبدأ من علاقة صادقة ودافئة بين الأسرة وأبنائها علاقة تقوم على الإصغاء قبل الكلام وعلى الاحتواء قبل التوجيه وعلى الحضور الحقيقي قبل أن نلقي اللوم فعندما يشعر الطفل أن هناك من يفهمه ويتقبله لن يحتاج إلى إثبات نفسه أمام جمهور مجهول خلف شاشة صغيرة
كما أن تعليم الأبناء كيف يفكرون وكيف يميزون بين ما يفيدهم وما يضرهم هو درعهم الحقيقي في مواجهة عالم افتراضي لا يرحم فالتفكير النقدي ليس درسًا مدرسيًا بل مهارة لحماية الروح والعقل تمنح الطفل القدرة على رؤية ما وراء المشاهد اللامعة وعلى إدراك أن التريند ليس قيمة وأن الشهرة اللحظية قد تتحول إلى جرح عميق لا يندمل
ولا يكفي أن نمنع المحتوى الضار داخل البيوت بل يجب أن نفتح أمامهم أبوابًا أخرى أكثر جمالًا أبوابًا يجدون فيها ما يغذي مواهبهم ويشبع فضولهم ويخلق لهم مسارات مضيئة تجعلهم يشعرون بأن التكنولوجيا يمكن أن تكون جسرًا إلى الإبداع لا إلى الخطر وأنها مساحة للتعلم والمهارة لا ساحة للتقليد الأعمى والتجربة المؤذية
وإذا كانت الأسرة هي السند الأول فإن المدرسة شريك ضروري يحمل على عاتقه مسؤولية بناء وعي جديد وتربية رقمية تجعل الطالب قادرًا على التعامل مع عالم الإنترنت بعقل ناضج كما يجب أن يكون للإعلام دور واع ومسؤول في إطفاء نيران التحديات العنيفة بدلًا من إعادة نشرها وفي صناعة قدوة إيجابية تقدم نماذج مضيئة من شباب استطاعوا أن يجعلوا التكنولوجيا طريقًا للإنجاز الحقيقي
ففي الآونة الأخيرة شهد مجتمعنا حوادث مؤلمة منها حادث #طفل الإسماعيلية الذي أصبح رمزًا لتحذيرنا من انزلاق الصغار وراء تحديات خطرة ومنها حادث #طفل طنطا الذي أكد أن التهريج الافتراضي قد يتحول إلى فعل حقيقي يجرم ويؤلم وهاتان الحادثتان ليستا مجرد عناوين بل منارات تشير إلى أن الترندات التي تروّج للعنف أو للتقليد الأعمى قد تقود إلى نتائج كارثية ولهذا علينا أن نعيد التفكير في علاقتنا بالتكنولوجيا وأن نجعل من البيت والمدرسة والدولة حوائط حماية وليست أسوار إقصاء وأن نعلم أطفالنا التفكير النقدي ونوفر لهم بدائل إبداعية وننخرط مع المنصات الكبرى لحجب المحتوى المحرض وأن نبني حملات توعية لا تهدف إلى التضييق بل إلى الحماية والإرشاد فإذا اجتمعت الأسرة والمدرسة والمجتمع والدولة سنصنع من التكنولوجيا ساحة قدر لا ساحة خطر وسنمنح جيلنا فرصة ليستخدم أدوات العصر في البناء لا في الهدم
ومع الأسرة والمدرسة يقف دور الدولة كركيزة لا غنى عنها إذ تتحمل مسؤولية حماية المجتمع الرقمي عبر العمل على حجب المواقع الخطرة التي تروج للعنف أو المحتوى المؤذي للأطفال وبذل الجهود التقنية والقانونية لقطع الطريق أمام منصات تستغل فضول الصغار كما تسعى الدولة إلى بناء جسور تعاون مع المنصات الكبرى مثل فيسبوك وتيكتوك للحد من انتشار التحديات المؤذية ولإزالة المحتوى المحرض قبل أن يصل إلى يد طفل لا يدرك حجم الخطر الذي يقترب منه وتعمل كذلك على إطلاق حملات توعية رقمية وشراكات مع خبراء وتقنيين لتطوير بيئة إنترنت أكثر أمنًا ورقابة دون أن تصادر حرية التعلم أو الإبداع بل تحميها من الانحراف نحو الظلام
وحين تتكاتف الأسرة والمدرسة والدولة والمجتمع سنرى أطفالًا أكثر وعيًا ومراهقين أقرب إلى ذواتهم وأبعد عن تلك الطرق المظلمة التي صنعتها التريندات العنيفة سنرى جيلًا يقف على أرض صلبة يعرف كيف يستخدم التكنولوجيا دون أن ينزلق إلى دوائر الخطر ويعرف أن قيمته لا تحددها المشاهدات بل ما يحمله داخله من نور وقدرة ورغبة في أن يكون أفضل