عبدالرحيم عبدالباري
في لحظة فارقة من مسار الدولة المصرية نحو بناء الإنسان وتعزيز قدراته، انعقد الاجتماع الدوري للمجموعة الوزارية للتنمية البشرية برئاسة الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، داخل أروقة العاصمة الإدارية الجديدة، ليحمل بين جنباته نقاشًا عميقًا حول مستقبل الإنسان المصري، من الطفولة إلى سوق العمل، ومن التعليم إلى الصحة، ومن الحماية الاجتماعية إلى الاقتصاد الإنتاجي. اجتماع لم يكن بروتوكوليًا بقدر ما كان محطة تقييم ومراجعة وإطلاق لرسائل سياسية وتنموية واضحة، تؤكد أن ملف التنمية البشرية بات في صدارة أولويات الدولة، باعتباره الاستثمار الحقيقي والأكثر استدامة.
قيادة حكومية واصطفاف وزاري شامل
عكس الحضور الرفيع المستوى للاجتماع حجم الرهان الوطني على ملف التنمية البشرية، حيث ضم الاجتماع الدكتورة رانيا المشاط وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، والدكتور أشرف صبحي وزير الشباب والرياضة، والدكتور محمد أيمن عاشور وزير التعليم العالي والبحث العلمي، والدكتورة مايا مرسي وزيرة التضامن الاجتماعي، والدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف، والسيد محمد جبران وزير العمل، والسيد محمد عبداللطيف وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، إلى جانب الدكتور ماجد عثمان مقرر اللجنة الاستشارية العليا للتنمية البشرية. هذا الاصطفاف الوزاري لا يعكس فقط تكامل الاختصاصات، بل يعبر عن إرادة سياسية جماعية لتوحيد المسارات والبرامج في اتجاه هدف واحد: بناء إنسان واعٍ، منتج، ومحصن بالعلم والصحة والمهارة.
مراجعة الأداء وربط الحاضر بالمستقبل
وأوضح الدكتور حسام عبدالغفار المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان، أن الاجتماع استعرض نتائج ما تم الاتفاق عليه في الاجتماع السابق، وخاصة ما يتعلق بتقرير البنك الدولي، ومخرجات مشاركة المجموعة في المؤتمر العالمي للسكان والصحة والتنمية. وأشاد الدكتور خالد عبدالغفار بدرجة التنسيق التي تحققت بين الوزارات، مؤكدًا أن كل نشاط مقترح سيتم إدراجه ضمن الخطة التنفيذية للمجموعة. كما تمت مراجعة ملخص المؤتمر العالمي ومخرجاته بهدف تضمينها في خطط التنمية البشرية المقبلة، بما يعكس جدية الدولة في عدم ترك أي جهد أو توصية حبيسة الأوراق، بل تحويلها إلى سياسات واقعية قابلة للتنفيذ، ومؤشرات قياس دقيقة يمكن البناء عليها مستقبلًا.
السردية الوطنية والتكامل بين الوزارات
تناول الاجتماع مناقشة الباب الخاص بالتنمية البشرية ضمن «السردية الوطنية»، باعتبارها الإطار المرجعي الذي يحدد ما تريد الدولة أن تكون عليه خلال السنوات المقبلة. وأكد الحاضرون أن لكل وزارة اختصاصًا واضحًا دون تداخل، مع ضرورة تحقيق أقصى درجات التكامل والتنسيق. وتم استعراض نتائج التواصل مع ممثلي الوزارات المختلفة، والتأكيد على إمكانية تحقيق جميع المستهدفات والمؤشرات المطروحة تمهيدًا لعرض المقترح على دولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي. هنا برزت فلسفة الإدارة الحديثة القائمة على العمل الشبكي، لا المركزي، وعلى تكامل الأدوات لا تصادمها، في مشهد يعكس نضجًا مؤسسيًا آخذًا في التشكل.
حضانات الأطفال.. بوابة العبور من الطفولة إلى التنمية
أحد أبرز محاور الاجتماع تمثل في مشروع إنشاء حضانات الأطفال داخل مراكز الشباب والأندية، حيث أكد الدكتور خالد عبدالغفار أهمية تشكيل لجنة تنسيقية برئاسة الدكتور محمد أيمن عاشور تضم ممثلي الوزارات المعنية لوضع منهج موحد شامل علميًا ورياضيًا وثقافيًا. واستعرض الدكتور أشرف صبحي أن الدولة تمتلك قرابة 5 آلاف مركز شباب و1200 نادٍ، وتم بالفعل تشغيل 14 حضانة و24 مركز تنشئة حتى الآن. كما شدد على ضرورة إعداد برامج تدريب متخصصة للعاملين بالحضانات، بالتعاون مع وزارات التربية والتعليم والتضامن والصحة، مع وضع جدول زمني لخمس سنوات للوصول إلى الطاقة القصوى للمشروع، بما يحول الحضانات إلى رافعة اجتماعية واقتصادية حقيقية.
التعليم العالي والذكاء الاصطناعي وربط البحث بالصناعة
أكد الدكتور محمد أيمن عاشور أن الجامعات المصرية تمضي بقوة نحو إعداد أجيال قادرة على التفاعل مع متطلبات سوق العمل الحديث، من خلال إتاحة أحدث أدوات الذكاء الاصطناعي عبر بنك المعرفة المصري. كما أشار إلى التنسيق مع وزارة التربية والتعليم لتنفيذ برامج تدريبية مبكرة لطلاب المدارس، بما يخلق جيلًا رقميًا منذ نعومة أظافره. ولم يقتصر الطرح على الجانب التعليمي فقط، بل امتد ليشمل ضرورة تحويل الأبحاث العلمية إلى ابتكارات ومنتجات قابلة للتطبيق الاقتصادي، وتعزيز الشراكات مع مجتمع الصناعة، بما يتسق مع المبادرة الرئاسية «تحالف وتنمية»، ويحول الجامعات إلى محركات إنتاج ومعرفة في آن واحد.
الحماية الاجتماعية والطفولة وسوق العمل في معادلة واحدة
من جانبها، أكدت الدكتورة مايا مرسي ضرورة إطلاق مشروع قومي للطفولة المبكرة، مشيرة إلى نتائج الحصر الوطني الشامل للحضانات، ونسب الإشغال والتغطية، وأهمية تبسيط إجراءات الترخيص وتفعيل المنصات الرقمية. بينما رأى السيد محمد جبران أن مشروع الحضانات يمثل خطوة محورية لدعم مشاركة المرأة في سوق العمل، وتقليل أعباء الرعاية الأسرية، مشددًا على الالتزام باشتراطات السلامة والصحة المهنية. كما استعرض «مبادرة صوت العمل» لتلقي شكاوى العمال. وفي السياق نفسه، أكد السيد محمد عبداللطيف إدماج البرمجة والذكاء الاصطناعي في المناهج، من خلال منصة «كيريو» التي سجل عليها 750 ألف طالب، وأتم 236 ألفًا محتواها بنجاح، مع منح شهادة دولية معتمدة.
خرج الاجتماع الدوري للمجموعة الوزارية للتنمية البشرية برسالة واضحة مفادها أن الدولة المصرية تخوض معركة وعي، وتنمية، وبناء طويل المدى، لا يعتمد على الحلول السريعة بقدر ما يستند إلى التخطيط المتكامل والاستثمار في الإنسان منذ سنواته الأولى وحتى دخوله سوق العمل. وبرئاسة الدكتور خالد عبدالغفار، وبمشاركة كوكبة من الوزراء، بدت ملامح «خريطة الإنسان المصري الجديد» تتشكل تدريجيًا، في مشهد يؤكد أن الجمهورية الجديدة لا تُبنى بالخرسانة فقط، بل بالعقل، والمهارة، والصحة، والعدالة الاجتماعية. وفي هذا المشهد، يصبح الإنسان هو البداية والنهاية، وهو الرهان الحقيقي على المستقبل.