نال فيلم الست موجة قوية من النقد اللازع، وصلت الى اتهام فريق العمل – المؤلف والمخرج وفريق التمثيل – بـالخيانة والإساءة لشخصية سيدة الغناء العربى أم كلثوم، بعض النقد وصل لأبعد من مجرد اختلاف في الرؤية الفنية، واعتبر أن الفيلم يبتعد كثيرا عن الصورة المثالية التي تربى عليها الجمهور، لدرجة أنه يسيء إلى الذاكرة الجمعية لصوت يحمله كل بيت في مصر والعالم العربي، واتهم البعض مؤلف الفيلم بتقليل شأن كوكب الشرق، وإخراجها من إطار القدوة الأسطورية إلى حالة إنسانية قد تفسر كضعف أو تناقض، بل وصل الجدل إلى حد تقديم بلاغات قانونية ضد مؤلف العمل.
وبفضولى الصحفى، دخلت سينما مترو القاهرة لمشاهدة الفيلم، وجلست في المقعد الأوسط، أراقب القاعة، الناس حولي متنوعون، بين شباب متحمس، كبار سن يحملون ذكريات عمرها عقود، ونساء ورجال جاءوا بدافع الحنين، الهواء في القاعة مشبع بانتظار شيء أكبر من مجرد فيلم، كان هناك شعور جماعي بأننا سنشهد شيئا مختلفا، شيئا يكشف الست خلف الصورة الأسطورية التي ترسخت في وجداننا.
قبل أن يبدأ العرض، تابعت أصوات المشاهدين، همسهم، حركاتهم، كل ذلك جعلني أشعر أنني جزء من هذا الحوار بين الشاشة والجمهور، وبمجرد أن بدأت المشاهد الأولى، أحسست أن الفيلم لم يأت ليسهل الأمور علينا، لا افتتاح صاخب، ولا أغنية كاملة تستدعى بسرعة، كل شيء هادئ، وكأن المخرج أراد أن يضعنا في قلب الست، لنشعر معها بكل خوف، كل حيرة، وكل لحظة ضعف وقوة.
الفيلم من إخراج مروان حامد، وسيناريو أحمد مراد، وهما اسمين أثارا اهتمام الناس قبل العرض لما لهما من تاريخ في تقديم أعمال ذات جودة وعمق، الإنتاج ضخم نسبيا، مع مراعاة تفاصيل الديكور والملابس التي أعادت المشاهد إلى أجواء مصر في زمن الست.
في الدور الرئيسي تجسد منى زكي شخصية أم كلثوم، بدعم من فريق قوي يضم محمد فراج، أحمد خالد صالح، تامر نبيل، وسيد رجب، إلى جانب مشاركات لافتة لنجوم مثل أحمد حلمي وعمرو سعد وكريم عبد العزيز ونيللي كريم وأمينة خليل في أدوار ضيوف الشرف.
أثناء العرض، لاحظت تنوع الجمهور مابين شباب وكبار السن، بعضهم جاء بدافع الحنين، والبعض الآخر من باب الفضول، الجو داخل السينما كان هادئا نسبيا، مليئا بالهمسات والتفسيرات اللحظية لكل مشهد وكأن كل مشهد يحتاج موافقة المشاهد على شعوره.
أحد أكثر المشاهد التي أثارت النقاش كان الصمت الطويل خلف الكواليس قبل الصعود إلى المسرح، حيث تنتاب الست لحظات تردد وخوف حقيقيين قبل أن تتحول إلى أيقونة، هذا المشهد لم يلق استحسان الجميع، فبينما رأى البعض عمقا إنسانيا، شعر آخرون أن الإطالة فيه أبطأت الإيقاع.
مشهد آخر أثار جدلا واسعا هو طريقة تعاملها مع فرقتها الموسيقية، حيث أُظهرها بحزم وقوة قرار أكثر من اللازم في نظر بعض المشاهدين الذين شعروا أن الصورة تجاوزت الواقع، بينما رأى آخرون أن هذا يعكس الضغوط الهائلة التي واجهتها في طريقها إلى القمة.
المشهد الذي تظهر فيه بعد انتهاء الحفلة، حين يغيب التصفيق ويحل الصمت، كان مؤثرا جدا، هذا المشهد لامس بعض قلوب الجمهور، حتى من بين المعترضين، لأنه قدم لحظة إنسانية نادرة في سياق الأسطورة.
بالطبع لم يخل الفيلم من انتقادات لاذعة، على رأسها أن الإيقاع بطيء جدا، وأن التركيز على الحالة النفسية جاء على حساب الطرب والموسيقى التي كان الجمهور ينتظرها، كما أن بعض المشاهد أثارت تساؤلات حول مدى واقعية تصويرها لصراعات الشخصية، واعتبر بعض الناس أن الفيلم بعيد عن الصورة المثالية المتداولة في الوجدان الشعبي، ومع ذلك، اعترف كثيرون بجودة التنفيذ، ورأوا أن الفيلم يفتح نافذة جديدة على الست، لكنه لم يكن سهلا على من يتوقع عرضا احتفاليا تقليديا.
خرجت من السينما وأنا محتار بين إعجاب وتساءل، الفيلم لم يعطني أم كلثوم كما كنت أعرفها فحسب، بل أجبرني على إعادة التفكير في شخصيتها وحياتها، سمعت الناس يتجادلون في الخارج، وفي كل رأي كان هناك جزء معجب، واخر غاضب، والبعض متأمل، وكل هذا يعطي للعمل قيمة أكبر من مجرد تقييم فني.
لم يقتصر الهجوم على النص وحده، بل امتد إلى اختيار أبطال الفيلم أيضا، حيث تداول البعض على منصات التواصل انتقادات حادة لاختيار بعض الوجوه المعروفة لتمثيل أدوار مهمة، معتبرين أن هذا تلاعب بصورة تاريخية متأصلة في الوجدان الشعبي، وهو ما فسره البعض على أنه نوع من خيانة لتاريخها الفني والثقافي، وفي المقابل، واجه بعض النقاد هذا الجدل بالقول ان أي تناول فني لشخصية أسطورية بهذا الحجم سيثير ردود فعل قوية، لا تعني بالضرورة خيانة للموروث، وإنما اختلافا في رؤى التقديم والأسلوب.
يمكن اختصار كل هذا الجدل في سؤال واحد، هل نريد من الفن أن يكرر ما نحب سماعه، أم أن يجرؤ على الاقتراب مما لم نعتد رؤيته؟
فيلم الست لم يطلب من جمهوره التصفيق بقدر ما طلب منهم التفكير، ولم يأتِ ليهدم الأسطورة ولا ليقدسها، بل ليضعها في منطقة رمادية بين الإنسان والرمز، الغضب الذي أحاط به ليس دليلا على فشله بقدر ما هو شهادة على حساسيته وخطورته، لأن أم كلثوم ليست مجرد سيرة فنية، بل جزء من وجدان أمة كاملة.
ربما لم يرض الفيلم الجميع، وربما أخطأ في مواضع وأصاب في أخرى، لكن المؤكد أنه فتح نقاشا صادقا حول علاقتنا برموزنا، هل نحبهم لأنهم بشر يشبهوننا، أم لأننا نصر على أن يظلوا تماثيل بلا شروخ؟
وفي النهاية، تبقى الست أكبر من أي فيلم، لكن يبقى للفيلم فضل أنه أعاد إشعال الأسئلة، وكسر الصمت، وأثبت أن الفتنة الحقيقية ليست في العمل ذاته، بل في قدرتنا على تقبّل الحقيقة حين تقترب أكثر مما نحتمل.