أحيانا نكتب ليس لأن لدينا إجابة جاهزة، بل حين ندرك أن التجربة الإنسانية أعقد بكثير من الأحكام السريعة، وأن المشاعر وحدها لا تكفي دائما لفهم ما يحدث بين الناس، هذا الكلام لا ينطلق من موقف بعينه، ولا يقف في صف أحد، بل يحاول أن يقترب من فكرة عامة، عن الالتباس، وسوء الفهم، والمسافات التي تتشكل بين البشر دون قصد صريح من أحد، هو مجرد تأمل هادئ، في طريقة رؤيتنا للأشياء، وفي حاجتنا لإعادة النظر قبل أن نصدر الحكم.
أحيانا لا تكون المشكلة في الناس، بل في الصورة التي رسمناها عنهم، وفي التوقعات التي حملناهم ما لا يحتملون، هناك فرق كبير، بين من يؤذيك عمدا،
ومن أخطأ لأنه بشر، القلب حين يتعب، يميل إلى الأحكام القاطعة، إما أبيض كامل، أو أسود لا يحتمل، لكن الحياة للأسف أو لحسن الحظ ليست بهذه البساطة، لسنا دائما ضحايا، كما أننا لسنا دائما مخطئين، وأخطر ما نفعله بأنفسنا أن نغلق باب الفهم، ونكتفي بلقب الخذلان، البعض ينسحب لا لأنه لم يهتم، بل لأنه خاف أن يساء فهمه، والبعض يصمت، لأنه أدرك أن الشرح لم يعد مجديا، الهدوء لا يعني اللامبالاة، والبعد لا يعني نهاية المشاعر، كما أن القرب أحيانا يكون أذى، لو جاء في توقيت خاطئ.
النضج الحقيقي أن نعيد قراءة المواقف دون غضب، ودون رغبة في الانتصار،
فليس كل من ابتعد خاسرا، وليس كل من بقي صادقا، وأحيانا يكون الحل ليس في الابتعاد، ولا في التمسك، بل في ترك مساحة للأشياء أن تعود إلى حجمها الطبيعي.
في النهاية، ليست كل الخلافات دليل قطيعة، ولا كل المسافات إعلان خسارة، كثير مما نختلف عليه يبدأ بسوء فهم، ويتضخم حين نصر على رؤية واحدة، ونرفض إعادة النظر، وحين نمتلك شجاعة المراجعة، نكتشف أن بعض الأحكام كانت متعجلة، وأن بعض الطرق لم تكن خاطئة، بل كانت تحتاج فقط إلى عنوان أدق،
وتوقيت أهدأ، ونظرة أقل انفعالا، فنحن لانكتشف الواقع ولكن نصنعه.
قال تعالى:
ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد، كل أولئك كان عنه مسئولا.. صدق الله العظيم