زلزال الوعي وكسر طوق التغييب
لعقودٍ طويلة، تُركت الساحة العربية نهباً ل “آلات التغييب” التي عبثت بعقول أجيالنا، وسط عجز إعلامي وصحفي استمرأ سياسة
“الانتظار” أو الانخراط في “زغاريد التطبيل” الجوفاء، مخلفاً وراءه قادةً سياسيين يواجهون العواصف وحدهم، دون ظهير إدراكي يحمي وعي الشعوب من الانزلاق في أوهام “الاغتراب الإدراكي”.
هذا الإعلام العربي – باستثناءات نادرة — إما خان الأمانة أو استخف بعقول الآخرين، تاركاً الفجوة تتسع بين القيادة والشعب، ومكرساً للصورة الزائفة التي رسمتها الصهيوأمريكية بأن الأنظمة العربية مجرد أدوات، وأن القرار الوطني مرتهنٌ لإرادة
“طبقة المستنقع الأسود”.
من قلب هذا العجز الإعلامي والفراغ الاستراتيجي، انطلقت صرختنا. كنا آلة إعلامية مستقلة ومبتكرة، لم نكتفِ بالمراقبة أو النقل، بل باشرنا “هندسة اختراق الوعي” وتشفير خوارزميات التضليل. استطعنا تفكيك المخطط الذي بدأ بإبادة غزة وكاد أن يلتهم المنطقة، وطوّعنا منصات الترفيه والتسلية لتحمل رسائلنا الرصينة، حتى ارتجفت خوارزمياتها تحت وطأة مقالاتنا.
واليوم، ونحن نرى “الثالوث العربي” (مصر، قطر، السعودية) يسطر ملحمة “هندسة السيادة” ويفرض “نوة الارتكاز” على من ادعت أنها أعتى قوة في العالم، نعلنها بصوت عال: لقد نجحنا. نعم نجحنا في إعادة اللحمة المفقودة بين الشعوب العربية وقادتها الأحرار. وها هي قياداتنا الخليجية تطل علينا اليوم، في صمتها جرأة، وفي حديثها رهبة، ليس لأنها تمتلك عدة السلاح فقط، بل لأنها تستمد قوتها وهيبتها من اصطفاف شعب واعِ خلفها. لقد ولى زمن “الاغتراب الإدراكي”، وبزغت شمس السيادة العربية الأصيلة.
بينما كانت خوارزميات التغييب تُحكم قبضتها على وعي العالم، استبقت “خوارزميتنا البشرية” الأحداث، وصاغت مصطلحاتٍ لم تكن مجرد حروف، بل أضحت “مشارط جراحية” تفضح عورات النظام العالمي. اليوم، وقد تحولت مفرداتنا السيادية من أروقة بياناتنا إلى ألسنة المحللين الدوليين؛ نؤكد: معركة الوعي حُسمت، و”قاموسنا الاستراتيجي” هو من يكتب التاريخ، ويكسر طوق الهيمنة، ويفرض قواعد النظام الدولي الجديد. يفكك نبيل أبوالياسين المشهد الراهن ليكشف كيف تتحلل «طبقة المستنقع الأسود» التي ظنت أن العالم مجرد صفقة تُدار في الغرف المظلمة، لتتفاجأ بصخرة السيادة الخليجية بقيادة المملكة العربية السعودية، التي تقود اليوم هندسة جديدة للقرار العربي المستقل.
ترامب في فخ الانهيار: تبادل اللوم في غرف التحلل
يفكك الباحث الاستراتيجي نبيل أبوالياسين المشهد الراهن، حيث يظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليوم وهو يعيش حالة من التخبط الوجودي، ملقياً باللوم على وزير دفاعه وصهره جاريد كوشنر، في محاولة بائسة للهروب من استحقاق الفشل الذريع . هذا التحلل ليس مجرد خلاف سياسي عابر، بل هو إعلان صريح عن تفكك «طبقة المستنقع الأسود» التي اعتقدت أن العالم مجرد “صفقة” تُدار بالغرف المظلمة، لتصطدم بواقعٍ أعاد ترتيب أولويات القوة بعيداً عن إملاءات واشنطن. ويشير أبوالياسين إلى أن تباين تصريحات ترامب مع وزير دفاعه هيغسيث حول أهداف الحرب يعكس ارتباكاً استراتيجياً غير مسبوق؛ فبينما يتحدث ترامب عن “النصر” وتغيير النظام، يعترف هيغسيث بصعوبة تحقيق الأهداف العسكرية . ويضيف أن هذا التخبط يؤكد صدق رؤيتنا: «طبقة المستنقع الأسود» تلفظ أنفاسها الأخيرة، ولم يعد لديها ما تقدمه سوى شعارات النصر المزيف.
المخطط الخبيث: وهم “فنزويلا” وصدمة التبعية
يكشف نبيل أبوالياسين أن «طبقة المستنقع الأسود» — التي استحلت براءة الأطفال واغتصبتها بوحشية — وضعت في حساباتها أن إيران ستكون مجرد “لقمة سائغة” كسيناريو فنزويلا، مراهنةً على أن دول الخليج ستندفع للحرب نيابة عنها كـ “أدوات مطيعة”. سعت “آلات التغييب” لعقود إلى ترسيخ “الاغتراب الإدراكي” لدى أجيالنا، بمساعدة إعلام عربي استمر في سياسة “نسخ ولصق” الرواية الغربية، مما أوهم نخبة المستنقع أن الشعوب العربية جثث هامدة لا رأي لها. لكن الصدمة الكبرى كانت عندما أدركت واشنطن أن دول الخليج، بقيادة السعودية، لن تكون وقوداً لحرب بالوكالة. ويوضح أبوالياسين أن تكلفة الحرب الباهظة التي كشفت عنها التقارير — 5.6 مليار دولار في أول يومين فقط — وضعت الإدارة الأمريكية أمام حقيقة مرة: حرب الاستنزاف هذه لا يمكن تحملها، خاصة مع تصاعد الخسائر البشرية والمادية.
زلزال السيادة: حين شفرنا “آلات التغييب”
ويؤكد نبيل أبوالياسين أن الصدمة التي زلزلت أركان «طبقة المستنقع الأسود» جاءت من صمود قادة الخليج بشعارهم الخالد: «لن نكون وقوداً لحرب بالوكالة». لم يكن هذا الثبات وليد الصدفة، بل كان نتيجة جهد جبار خضناه كـ «رواد للتغيير الإدراكي»، حيث نجحنا في تشفير آلات التغييب وتفكيك المخطط أمام الشعوب. عندما استعادت الأرضية الشعبية الخليجية والعربية وعيها واصطفت خلف قادتها، وُلدت قوة غير مسبوقة لـ «الثالوث العربي» (السعودية، مصر، قطر). ويشير أبوالياسين إلى أن التصريحات الأمريكية المتضاربة حول إنهاء الحرب تعكس حجم الهزيمة الاستراتيجية التي منيت بها واشنطن. فبينما يعلن ترامب أن الحرب “ستنتهي قريباً جداً”، يؤكد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أن القتال سيستمر “حتى اللحظة التي نرى فيها أن الوقت مناسب للتوقف” . هذا التناقض يعكس غياب الرؤية الواضحة وارتباك صانع القرار.
ملحمة “نوة الارتكاز”: هندسة السيادة في صمت
ويشيد نبيل أبوالياسين بدور «نوة الارتكاز» بقيادة السعودية؛ فعندما تشعر القيادة بظهير شعبي واعٍ، تتحول من الدفاع إلى “هندسة السيادة”. العالم اليوم يشاهد بذهول كيف يفرض هذا “الثالوث” كلمته عنوة، متصدياً لعواصف التصفية بكل حسم. ويلفت أبوالياسين إلى أن الدعم الدولي الذي حظيت به إيران من روسيا والصين يعكس تحولاً في موازين القوى العالمية، حيث هنأ الرئيس بوتين المرشد الجديد مجتبى خامنئي، مؤكداً “دعمنا الراسخ لطهران وتضامننا مع أصدقائنا الإيرانيين” . كما أعلنت الصين معارضتها أي استهداف للمرشد الجديد، معتبرة أن اختياره “مسألة داخلية إيرانية” . هذا المشهد العالمي الجديد يؤكد أن القطب الواحد في طريقه إلى الزوال.
عراقجي يدفن الدبلوماسية: “المفاوضات لم تعد مطروحة”
ويضيف نبيل أبوالياسين أن التصريحات الإيرانية الأخيرة تمثل صفعة قوية لمحاولات واشنطن الخروج بماء الوجه. فوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أعلن بوضوح أن بلاده “مستعدة لمواصلة الهجمات الصاروخية طالما كان ذلك ضرورياً”، مؤكداً أن المفاوضات مع الولايات المتحدة “لم تعد مطروحة” على جدول الأعمال . ويحلل أبوالياسين أن إيران تدرك جيداً أن الاقتصاد الأمريكي لا يتحمل حروب استنزاف طويلة، خاصة بعد استهلاك ذخائر بقيمة 5.6 مليار دولار في يومين فقط . ويشير إلى أن تصريحات عراقجي تعكس ثقة إيرانية متزايدة بقدرتها على الصمود، خاصة مع الدعم الروسي الصيني الواضح، ومع استمرار قدرتها على استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة. هذا يعني أن «طبقة المستنقع الأسود» تواجه الآن جبهة متماسكة: خليجياً صامداً، وإيرانياً مصمماً على المواجهة، ودولياً متحولاً نحو نظام عالمي جديد.
المشهد العالمي: نهاية الهيمنة الأمريكية
ويختتم نبيل أبوالياسين بيانه برسالة قوية إلى العالم: «طبقة المستنقع الأسود» تتحلل يومياً، وها هي أوروبا تبحث عن مخرج من مستنقع التبعية لواشنطن، وروسيا تسحب البساط من تحت الجميع، والصين تضع أسس نظام جديد متعدد الأقطاب. في هذا المشهد، تبرز السعودية بقيادة حكيمة يسطرها قائد جسور تقود الخليج نحو “هندسة السيادة” الحقيقية. إن ملحمة “نوة الارتكاز” التي نشهدها اليوم هي ثمرة وعي شعبي وقرار سياسي مستقل، أثبت أن العرب لم يعودوا “أرقاماً” في معادلة الآخرين، بل هم “المعادلة” التي لا يقبل المستنقع الأسود استيعابها. ويؤكد أبوالياسين أن «فطام السيادة» بدأ ولا رجعة فيه، وأن المرحلة القادمة ستشهد “تصفير القواعد” الأمريكية في المنطقة، لأن القواعد لم تعد درعاً يحمي الخليج، بل أهدافاً تجلب الدمار. لقد سقطت هيمنة مغتصبي الأطفال، وتحطمت أوهام «طبقة المستنقع الأسود» على صخرة الوعي الخليجي بقيادة السعودية. المستقبل لنا، لأننا نصنعه بأيدينا.