فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي،
رئيس جمهورية مصر العربية،
قائد المسيرة، وحارس الإرادة الوطنية،
نكتب إليكم اليوم من قلب قرية جلبانة، من أرضٍ لم تعرف يومًا الحياد حين نادى الوطن، ولم تقف متفرجة حين استباح الإرهاب الدم والتراب، بل كانت دائمًا في مقدمة الصفوف، تؤدي دورها الوطني بصمت الرجال، وإيمان المجاهدين، وصدق المنتمين.
إن جلبانة، يا سيادة الرئيس، لم تكن مجرد قرية حدودية، بل كانت خط دفاع شعبي ووطني، شارك أبناؤها في معركة الوجود ضد الإرهاب، لا طلبًا لشهرة، ولا انتظارًا لذكر، وإنما لأن حب مصر كان فريضة، والدفاع عنها عقيدة راسخة في القلوب.
لقد كان طبيعة عمل مجاهدي جلبانة عملًا شاقًا وخطيرًا، لا يقل في مخاطره عن ساحات القتال المباشر. لم يحملوا فقط السلاح، بل حملوا المسؤولية والوعي والانتماء. كانوا عيونًا ساهرة في الليل، يرصدون تحركات العناصر الإرهابية، ويكشفون مسارات التسلل، ويغلقون المنافذ التي حاولت قوى الشر النفاذ منها.
كانوا أدلاء طريق يعرفون الأرض شبرًا شبرًا، حفظوا دروبها ورمالها وحقولها، وسخّروا هذه المعرفة في خدمة قواتنا المسلحة الباسلة، فكانت المعلومة الصادقة منهم تساوي كتيبة، وكانت الإشارة في وقتها تنقذ أرواحًا وتُحبط مخططات.
عملوا في تأمين القرى والطرق والمزارع، وحماية الأهالي من بطش الإرهاب، ورفضوا أن تكون بيوتهم مأوى للخوف، أو أرضهم ساحة للفوضى. كانوا يقفون بين أهلهم والخطر، بعضهم استُهدف داخل منزله، وبعضهم سقط وهو يؤدي واجبه، وآخرون ارتقوا لأنهم قالوا “لا” للإرهاب، و“نعم” لمصر.
لم يكن جهادهم مؤقتًا أو موسميًا، بل كان سنوات من الصبر والمعاناة، عاشوا تحت التهديد، وتحركوا وهم يعلمون أن الموت يترصد بهم، لكنهم لم يتراجعوا، ولم يساوموا، ولم يبيعوا الأرض ولا الكرامة. كانوا حلقة الوصل الصادقة بين الدولة وأرضها، بين الجيش والشعب، بين الخريطة والواقع.
وحين جاءت المعركة الفاصلة، وخاصة في محيط جلبانة، وقف هؤلاء المجاهدون جنبًا إلى جنب مع قواتنا المسلحة، وساهموا في دحر فلول الإرهاب الأسود، وإغلاق آخر أوهامه في السيطرة على الأرض أو انتزاعها من أهلها. كانت جلبانة، بإرادة أبنائها، نقطة النهاية لمشروع الخيانة، وشاهدًا على أن الشعب حين يتوحد مع جيشه، لا يُهزم.
فخامة الرئيس،
إن من قدّموا أرواحهم في هذه المعركة لم يكونوا أرقامًا في سجل، بل رجالًا لهم أسماء ووجوه وقصص وبطولات. لهم أمهات صابرات، وآباء مرفوعو الرأس، وأبناء يستحقون أن يعرفوا أن آباءهم لم يموتوا، بل خُلّدوا في وجدان الوطن.
ومن هذا المنطلق، نتقدم إلى سيادتكم بنداء صادق من أبناء جلبانة:
نطالب بإنشاء نصب تذكاري على أرض القرية، يُخلّد أسماء مجاهديها الشهداء، تخليدًا يليق بتضحياتهم، ويجسد فلسفة الدولة المصرية في الوفاء لأبنائها الذين ضحوا بأرواحهم فداءً للوطن.
هذا النصب ليس مطلبًا شكليًا، بل قيمة وطنية وتاريخية، يُعلّم الأجيال معنى الانتماء، ويؤكد أن الدولة لا تنسى من وقفوا في أصعب اللحظات، وأن دم الشهيد لا يضيع، وأن التضحية لا تُمحى بمرور الزمن.
وفي الختام، يا فخامة الرئيس، فإن هذا النداء ليس مجرد كلمات تُكتب، ولا مطلبًا عابرًا يُرفع، بل هو صرخة وفاء من أرضٍ دفعت أغلى ما تملك، وقدّمت أبناءها قرابين للكرامة والسيادة، دون ضجيج، ودون انتظار مقابل. هو نداء يحمل في سطوره دموع الأمهات الصابرات، واعتزاز الآباء الشامخين، وحلم الأبناء الذين يريدون أن يروا أسماء آبائهم محفورة في الذاكرة الوطنية، لا يطويها النسيان، ولا تبتلعها الأيام.
إن إنشاء نصب تذكاري لمجاهدي جلبانة هو تثبيت للحقيقة في مواجهة النسيان، وإعلان واضح أن مصر تعرف أبناءها، وتحفظ جميلهم، وتُقدّر من وقفوا في اللحظة الأخطر، حين كان الخطر يتربص، والعدو يتخفى، والموت أقرب من الحياة. هو رسالة تقول لكل من ضحّى، ولكل من سيفكر في التضحية غدًا، أن الوطن لا يُنكر، ولا يجحد، ولا يترك أبناءه خلفه.
هذا النصب سيكون شاهدًا على أن الشهادة لم تكن نهاية الحكاية، بل بدايتها، وأن دماء المجاهدين لم تذهب هباءً، بل أنبتت أمنًا واستقرارًا، ورسّخت دعائم الدولة، وأغلقت أبواب الفوضى إلى الأبد. سيكون حجرًا ينطق، يروي للأجيال القادمة أن هنا وقف رجال، لا يعرفون الخوف، آمنوا بمصر عقيدة، ودافعوا عنها قدرًا ومصيرًا.
يا فخامة الرئيس، إن جلبانة لا تطلب امتيازًا، ولا تبحث عن تمييز، وإنما تطلب العدل الرمزي، والإنصاف المعنوي، والتكريم الذي يليق بتضحيات استثنائية في ظرف استثنائي. تطلب أن يتحول الألم إلى معنى، والدم إلى ذاكرة، والفقد إلى شرف خالد.
نثق أنكم، يا فخامة الرئيس، وأنتم ابن المؤسسة التي تعرف قيمة الأرض والدم، تدركون أن الأوطان لا تُبنى فقط بالجدران والمشروعات، بل تُبنى أيضًا بالوفاء للشهداء، وبحفظ قصصهم، وبغرسها في وجدان الوطن كما تُغرس الراية على قمم النصر.
ستبقى أسماء مجاهدي جلبانة حيّة في القلوب، لكن تخليدها على الأرض هو العهد الذي نرجوه، ليظل شاهدًا على مرحلة فارقة، وعلى رجال صنعوا الفرق، وعلى دولة لا تنسى أبناءها.
رحم الله شهداء جلبانة،
وحفظ مصر برجالها وجيشها وقيادتها،
وظل علمها مرفوعًا بدماء الأوفياء،
وعاشت مصر قوية، أبية، لا تُكسر.