عبدالرحيم عبدالباري
في زمن تتسارع فيه الأخبار قبل التحقق من صحتها، وتُختزل فيه المآسي الإنسانية في عناوين مثيرة وباحثة عن التفاعل، تجد المؤسسات الحكومية نفسها في مواجهة مباشرة مع سيل من المعلومات المغلوطة التي لا تراعي الحقيقة ولا الإنسان. وتبرز هنا خطورة الكلمة حين تنفصل عن الضمير، وحين تتحول بعض المنصات الإعلامية من أدوات تنوير إلى منصات تضليل. وفي قلب هذه المعركة تقف هيئة المستشفيات والمعاهد التعليمية، حاملةً عبء تقديم الخدمة الطبية، ومدافعة في الوقت ذاته عن الحقيقة وكرامة الإنسان، في مواجهة روايات غير دقيقة أساءت للجهد الطبي وللمؤسسات الوطنية.
إن ما تم تداوله من أخبار مغلوطة حول ما أثير عن واقعة احتجاز جثمان مريض متوفي بمعهد القلب القومي، يعكس أزمة حقيقية في طريقة تناول بعض الأخبار المرتبطة بالمؤسسات الحكومية، لا سيما تلك التي تمس القطاع الصحي. فبدلًا من تحري الدقة والمسؤولية، اتجهت بعض المواقع إلى استثمار الألم الإنساني وتحويله إلى مادة للاتهام والإثارة، دون الرجوع إلى بيانات رسمية أو فهم السياق الطبي للحالة. هذا السلوك لا يسيء فقط للمؤسسة، بل يزرع الشك والقلق في نفوس المواطنين تجاه منظومة صحية تعمل في ظروف شديدة القسوة.
الحقيقة التي كشف عنها البيان الرسمي الصادر عن الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية، تؤكد أن المريض كان يعاني من حالة صحية بالغة الخطورة، شملت فشلًا تنفسيًا حادًا والتهابًا رئويًا شديدًا، فضلًا عن تاريخ مرضي معقد في الشرايين التاجية وضعف بعضلة القلب. وقد تعامل الفريق الطبي مع الحالة وفقًا لأعلى المعايير المهنية، من فحوصات عاجلة، وحجز بالرعاية المركزة، ووضع على جهاز التنفس الصناعي لعدة أيام، مع شرح تطورات الحالة لأسرته بشفافية كاملة.
وعندما توقفت عضلة القلب، لم يدخر الفريق الطبي جهدًا، حيث جرت محاولات الإنعاش القلبي لمدة خمسٍ وأربعين دقيقة متواصلة، في مشهد يجسد أقصى درجات الالتزام الإنساني قبل أن يكون واجبًا مهنيًا. إلا أن هذه الجهود، بكل ما تحمله من إخلاص وتفانٍ، جرى تجاهلها في بعض الروايات المنشورة، التي آثرت سردًا دراميًا زائفًا على حساب الحقيقة، متسببة في تشويه صورة مؤسسة عريقة، والإساءة إلى أطقم طبية تعمل تحت ضغط هائل.
وفي المقابل، برز نموذج مهني مسؤول، تمثل في أحد المواقع التي تحلت بالاحترافية، وبادرت بتحري الدقة، ونشرت توضيحًا من صاحب الواقعة نفسه، أكد فيه عدم صحة ما تم تداوله، موضحًا أن ما صدر عنه كان نتيجة الصدمة الإنسانية لفقدان والده. هذا السلوك الإعلامي المسؤول يثبت أن الالتزام بأخلاقيات المهنة ليس خيارًا، بل واجبًا، وأن نقل الحقيقة كاملة هو السبيل الوحيد لاحترام الإنسان وصون المجتمع.
إن استنكار الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية لما تبثه بعض المواقع الصفراء، لا يستهدف حرية الرأي أو النقد، بل يضع حدًا للفوضى الإعلامية التي تتغذى على الشائعات وتضرب في صميم الثقة العامة. فحرية التعبير لا تعني التلاعب بالمشاعر أو نشر الأكاذيب، خاصة عندما يتعلق الأمر بوقائع إنسانية حساسة، وبمؤسسات خدمية تمثل خط الدفاع الأول عن صحة المواطنين.
وتأكيد الهيئة احتفاظها بكامل حقوقها القانونية تجاه مروجي الأخبار الكاذبة، هو رسالة واضحة بأن الدولة تحمي مؤسساتها والعاملين بها، وتواجه التشهير بالحقيقة والقانون. فالمساءلة القانونية هنا ليست تقييدًا للإعلام، بل حماية للمجتمع من التضليل، وضمانة لعدم استباحة سمعة المؤسسات الوطنية أو النيل من جهود آلاف الأطباء والعاملين الذين يؤدون رسالتهم في صمت.
في المحصلة، تبقى الحقيقة هي الأساس، ويبقى الإنسان هو محور أي عمل وطني أو إعلامي. وما بين ألم الفقد وواجب الدولة، تبرز الحاجة الملحة إلى إعلام صحي واعٍ، يزن الكلمة قبل نشرها، ويفرق بين النقد المسؤول والتشويه المتعمد. إن إنصاف هيئة المستشفيات والمعاهد التعليمية في هذه الواقعة ليس دفاعًا عن مؤسسة بعينها، بل انتصار للضمير، ودعوة صريحة لإعلام يدعم الاستقرار، ويحترم الإنسان، ويقف دائمًا إلى جانب الحقيقة.